الصوفي يقف المتفرج على الضلالات الاجتماعية، ويرى الرذيلة المكشوفة أهون من الرذيلة المستورة؛ لأن الرذيلة المكشوفة تعصم صاحبها من موبقات كثيرة أهونها الصلاح المزيف، والأدب المكذوب.
أما الرذيلة المستورة فتخلق لصاحبها موبقات مهلكة ماحقة أيسرها الشعور بأن الكذب على الله وعلى الناس أمر تجيزه العقول، عقول السفلة المهتوكين أمام الله والمستورين أمام الناس.
وقد بدا لأهل أمريكا منذ أعوام أن يحرموا شرب الخمر فوقعوا في خطر ماحق هو الرياء والنفاق، واشتبهت المسالك في تمييز الفاضل من المفضول ، ولو أصرت أمريكا على هذه النزعة «الإعلانية» لفقدت ميزتها الأصلية وهي صراحة القلوب والأعمال.
والأمم التي تحرص على سلامة الظواهر هي الأمم المهددة بالاستعباد والزوال.
وشاهد ذلك يؤخذ من حياة الشعوب في هذه الأيام، فالأمم التي تكثر من الكلام على التحليل والتحريم هي الأمم التي تعاني آلام الاستعباد؛ لأن انشغالها بالنفاق والرياء والخداع لم يترك لها من فراغ البال ما تستعد به لمقاومة المكاره والخطوب. ولا كذلك الأمم التي جعلت حسابها مع الله لا مع الناس.
وحسب المرء من السفالة والضعة والحطة أن لا يكون له رقيب غير طوائف من المخلوقات تستبيح في السر ما تنكر في العلانية.
وحسب الأخلاق من الضعف أن لا تتماسك إلا بأسباب واهية من الرياء.
وقد حار الباحثون في فهم السر الذي قضى بأن تخلد الكتب التي بلغها الأنبياء والمرسلون.
فليفهموا - إن شاءوا - أن مرجع ذلك السر إلى الصدق، فالأنبياء والمرسلون لم يكن فيهم رجل كاذب، وإنما كانوا جميعا صادقين، فقد سجلوا عيوبهم ومساويهم تسجيلا صريحا لا مواربة فيه ولا تضليل، وهل كانت الكتب التي بلغها الأنبياء والمرسلون إلا تسجيلا للمآسي الإنسانية الممثلة في أخطاء الأنبياء والمرسلين؟
سيفنى كل شيء، وتبقى خطيئة داود.
سيفنى كل شيء، ويبقى العتاب الموجه إلى الرسول في القرآن.
سيفنى كل شيء، وتبقى صور البكاء على الآثام والذنوب، بكاء الأنبياء والمرسلين.
وسيبقى كل شيء إلا الصلاح المزيف الذي ظفر به الأوباش من من أدعياء الاستقامة والعدالة والصلاحية لتربية العقول والقلوب.
وأشقى الأمم هي التي يكون معلموها ومربوها مخادعين ومنافقين.
أشقى الأمم هي التي تعيش بعقول الأطفال فلا ترى غير الظواهر والعناوين.
أشقى الأمم هي التي تحاسب على الرغيف المسروق، ولا تحاسب على المجد المسروق.
أشقى الأمم هي التي ينصب فيها للظاهر ميزان، ولا ينصب فيها للباطن ميزان.
وإنما فرض عليها هذا الشقاء؛ لأنها حرمت حقا وصدقا من جواهر الأخلاق.
وهل تظفر أمة بجمال الخلق حين يسرها أن تجمل الوجوه، وإن قبحت القلوب؟
إن المصدر الأصيل للخلق الجميل هو القلب، فإن غفلت الأمم عن هذا الجوهر فهي أمم مضيعة مفتونة لا تصلح لغير الرق والاستعباد.
لن تفلح أمة إلا حين تتخلق بأخلاق الله، وهو عز شأنه لا ينظر إلى الصور، ولا إلى الأعمال، وإنما ينظر إلى القلوب.
تباركت يا ربي وتعاليت، وبك يستعز ويستنصر كل من شاءت رحمتك أن لا يكون له نصير غيرك.
وما أسعد من تفضلت عليه فكتبت أن لا يعرف نصيرا سواك.
شهوة الفرج
وكما يخاف الصوفية شهوة البطن يخافون شهوة الفرج، وينكرون أن يتناول الرجل من الأدوية ما يقوي شهوته على الاستكثار من الوقاع، كما يتناول بعض الناس أدوية تقوي المعدة لتعظم شهوة الطعام. ومثال ذلك عندهم مثال من ابتلي بسباع ضارية، وحيات عادية، فتنام عنه في بعض الأوقات فيحتال لإثارتها وتهيجها.
4
آداب الزواج
وهم في أغلب أحوالهم يؤثرون العزوبة على الزواج، ولكنهم يدعون إلى الزواج عند خوف الفتنة، ويتحرزون من كل ما يثير الشهوات، ويستقبحون أن تمر صورة الشهوة المحرمة على خيال المريد، ولذلك تفاصيل مرت في الكلام على الحب.