تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والصوفي لا يجزع حين يجوع، وإنما يلتفت إلى نفسه فيقول: أي شيء تخافين؟ أتخافين أن تجوعي؟ لا تخافي ذلك، أنت أهون على الله من ذلك، إنما يجوع محمد وأصحابه.

1

أو يقول: إلهي أجعتني وأعريتني، وفي ظلم الليالي بلا مصباح أجلستني ، فبأي وسيلة بلغتني ما بلغتني.

1

أو يقول: إلهي، ابتليتني بالمرض والجوع، وكذلك تفعل بأوليائك، فبأي عمل أؤدي شكر ما أنعمت به علي.

1

الصوفي يرى الشبع من المهلكات، ويرى في الجوع فوائد:

الأولى:

صفاء القلب، وإيقاد القريحة، ونفاذ البصيرة، فإن الشبع يورث البلادة، ويعمى القلب، ويكثر البخار على الدماغ.

الثانية:

رقة القلب وصفاؤه ليتهيأ لإدراك لذة المناجاة.

الثالثة:

الانكسار والذل وزوال البطر والفرح والأشر الذي هو الطغيان والغفلة عن الله.

الرابعة:

أن لا ينسى بلاء الله وعذابه ولا ينسى أهل البلاء.

الخامسة:

كسر شهوة المعاصي والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء.

السادسة:

دفع النوم وسهولة السهر.

السابعة:

تيسير المواظبة على العبادة، فإن الاهتمام بالأكل قد يضيع على العابد أطيب الأوقات.

الثامنة:

صحة البدن ودفع الأمراض.

التاسعة:

خفة المؤونة، فإن من تعود قلة الأكل كفاه اليسير من المال.

العاشرة:

التمكن من الإيثار والصدقة بما فضل من الأطعمة على اليتامى والمساكين.

2

وللصوفية كلام كثير في النهى عن الشبع والتشويق إلى الجوع، وقد نقدنا هذه النظرة حين تكلمنا على آداب الطعام، ولكن لا مفر من الاعتراف بأن لإيثار الجوع مزية أساسية هي الخلاص من شهوة البطن والسلامة من أمراض الأبدان والأخلاق، فأخطر الأمراض الجسمانية مصدرها الأكل، وأخطر الأمراض الأخلاقية مصدرها الأكل، ولا تسهل المعاصي إلا على من يسرفون في الطعام والشراب.

هل نعلن حين نبتلى بالشهوات

ولم يفت الصوفية أن ينصوا على أن الجوع قد يتطرق إليه الرياء، كأن يأكل الرجل في الخلوة ما لا يأكل مع الجماعة، وهذا هو الشرك الخفي.

3

ومن رأيهم أن حق العبد إذا ابتلي بشهوات وأحبها أن يظهرها، وهذا عندهم صدق الحال، فإن إخفاء النقص وإظهار ضده من الكمال هو نقصان متضاعفان، والكذب مع الإخفاء كذبان، فيكون مستحقا لمقتين، ولا يرضى عنه إلا بتوبتين صادقتين، ولذلك شدد الله أمر المنافقين فقال: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار)؛ لأن الكافر كفر وأظهر، والمنافق كفر وستر، فكان ستره لكفره كفرا آخر؛ لأنه استخف بنظر الله إلى قلبه، وعظم نظر المخلوقين فمحا الكفر عن ظاهره، والعارفون يبتلون بالشهوات بل بالمعاصي، ولا يبتلون بالرياء والغش والإخفاء.

ذلك كلام الغزالي في الإحياء

3

وهو كلام نفيس، وهو يصور صدق الشخصية الخلقية أجمل تصوير، فالصوفي الحق قد يقع في المعصية، ولكنه لا يرائي ولا ينافق؛ لأنه يختار بين حالين: الاستخفاف بنظر الناس، والاستخفاف بنظر الله.

الصوفي يرى الناس أحقر من أن يتهيبهم، ويتقي لغوهم وفضولهم وسفاهتهم، ويرى الحياء لا يكون إلا من الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

الصوفي يؤذيه أن يكون كبعض الأراذل الذين يستبيحون جميع المنكرات في الخفاء، ثم يلقون الناس بوجوه الصالحين الزاهدين المتبتلين، وما عرفوا الصلاح ولا الزهد ولا التبتل، وإنما هم لصوص سفلة يسرقون السمعة الحسنة من المجتمع المغفل الذي يعيش عيش القرود، فلا يصدق غير ما ترى عيناه المفتوحتان بلا وعي ولا إحساس.

الصوفي يؤذيه أن يعرف بالصدق حين يكون من الصادقين؛ لأن في الشهرة بالصدق فتنة تجره إلى الريا.

والصوفي لا يستهويه أن يرى المنافقين والمخادعين في نجاح ورفاهية ونعيم؛ لأنه يعرف أن حظوظهم في دنياهم ليست إلا حراما في حرام، ولا فرق بين انتهاب السمعة وانتهاب المال، وإن خفي ذلك على الغافلين.

ومن المنافقين من لا يكفيه أن يستر الله عورته الخفية فيجره الشره في انتهاب السمعة الحسنة إلى الوقوع في أعراض الناس ليصح عند الجمهور المغفل أنه من أهل الغيرة على الأخلاق، وبهذه الأساليب تسير بين الجماهير أباطيل وأضاليل تنصب لها موازين فيشقى بها بها ناس ويسعد ناس.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٣٣