تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

59

أترون عمق الفكر في هذا الكلام البسيط؟

إن الخواص الذي عرفناه في كتب الشعراني لا يقل عظمة عن سقراط الذي عرفناه في كتب أفلاطون. والفرق بين الرجلين أن سقراط أولع بمخاطبة العقول، والخواص أغرم بمخاطبة القلوب. والعقل أبقى من القلب، وله في كل زمان أنصار وأشياع.

إن أفلاطون عاش لأنه وقف عند حدود الأرض، ومات الشعراني لأنه تطلع إلى السماء. عاش أفلاطون لأنه تحدث عن شؤون يفهمها الأصحاء، ومات الشعراني لأنه خاض في شؤون لا يدركها غير من انقطع عن دنياه. والانقطاع عن الدنيا من أعراض الموت، ولكن من ينكر أن رأى المحتضر قد يكون أصدق رأى، وحديثه أبلغ حديث؟

وهل من القليل أن تعيش شطحات الشعراني أربعة قرون؟

ذلك ضرب من الحياة لو تعلمون.

| المهلكات والمنجيات

تحديد الشخصية الخلقية

طال الطواف بآراء الصوفية في الأخلاق، ورأينا ألوانا مختلفات من مذاهبهم في العيش ومناحيهم في السلوك، ولكن الشخصية الخلقية للصوفي الحق لا تزال خافية بعض الخفاء، وأخشى أن نكون أطلنا في بيان النواحي الفلسفية من التصوف، وأخشى أيضا أن نكون أسرفنا في نقد المذاهب الصوفية إسرافا يضلل القارئ، ويصرفه عن تنور ما في الشخصية الصوفية من سماحة وصفاء.

ولكن ما اصطنعناه من العنف في نقد المذاهب الصوفية، وما آثرنا من التعمق في عرض التصوف من الناحية الفلسفية، كان أمرا يوجبه البحث كل الوجوب؛ لأن هذا الكتاب لم يؤلف لشرح التصوف، ولا لتأريخ التصوف، وإنما ألف لغاية صريحة: هي بيان تأثير التصوف في الأدب والأخلاق، وقد وصلنا من ذلك إلى بعض ما نريد.

ثم نظرنا فرأينا منهج البحث يسمح بتصوير الشخصية الخلقية للصوفي الحق، ونريد الناحية العملية في حياة المريد، الناحية التي تصور ما يخاف وما يرجو في حياة الأخلاق.

مزايا النظرة الصوفية

قد يقال: وما الفرق بين الصوفي وبين غيره من أرباب السلوك السليم إذا غضضنا النظر عن الناحية الفلسفية؟

ونجيب بأن الناحية الفلسفية هي في الأصل عماد الناحية العملية، فالصوفي يتفلسف في جميع أعماله، ولا يتقدم ولا يتأخر إلا بموازين.

وللصوفي ميزة ليست لسواه من رجال الأخلاق فهو «يحس» المواعظ، و«يذوق» الأمثال، والحكمة على لسان الصوفي متوقدة ملتهبة تأخذ وقودها من الضمائر والقلوب.

وهناك ميزة ثانية هي الإلحاح، الإلحاح، ولو شئت لكررتها ألف مرة، فالصوفي يحب أن ينقل جميع ما أثر من أقوال الأنبياء والحكماء والصالحين في تأكيد المعنى الذي يدعو إليه، وربما كان الصوفية هم الذين تفردوا بالإطناب في شرح أدواء النفوس، وأمراض القلوب، وبكوا على مصاير العاصين، والغافلين أحر البكاء.

وهناك ميزة ثالثة هي شعور الصوفي بأثقال الأوزار والذنوب، فهو رجل تواب أواب لا يذنب حين يذنب إلا وهو في غاية من الخجل والاستحياء.

وهناك ميزة رابعة هي الإيمان، فالصوفي وإن تفلسف لا يعتقد أن الأخلاق وسيلة نفعية تطلب للمعاش وحسن الصلات مع الناس، وإنما يعتقد أن الأخلاق صلة بينه وبين الله، ولله صورة جميلة في أنفس المخلصين من أهل التصوف، وهم يحبونه كل الحب، ويستحيونه كل الاستحياء، وهم من أجل ذلك لا يبالون الشرائع ولا القوانين، وإنما يفكرون في صلاتهم الحقيقية بذلك المحبوب المعبود.

وما أنكر أن الصوفية قد يصلون إلى الوسوسة الخلقية في أكثر الأحيان، ولكن عذرهم في ذلك مقبول، فهم يتسامون إلى الظفر بالرضوان عند محبوب لا تناله الأوهام ولا الظنون، ورضوانه غرض عزيز المنال.

آفات الشبع وفوائد الجوع

ولنفصل شمائل الصوفي من الناحية الخلقية فنقول:

يخاف الصوفي شهوة الطعام والشراب، وهو على حق، فكل الرذائل تصدر عن الطعام والشراب، وما أمن إنسان غوائل ما يأكل وما يشرب إلا انقلب إلى مخلوق سفيه ممقوت.

وهل ذل من ذل وضاع من ضاع إلا بسبب الحرص على الطعام أو الشرب؟

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٣٢