أخذ علينا العهد إذا كان لنا جار ساكن على الخليج أيام قطعه، أو نزح الخرارات منه، وعلمنا عجزه عن نزح ما تحت بيته إما لفقر أو بخل أن نوهم جماعة الوالي أن تلك الخرارات نشأت من بيتنا دون بيته، ثم انتزحها نيابة عن جارنا، ولا ندع جماعة الوالي يرعبوه مع قدرتنا على ذلك، ولا سيما إن كان عنده ضعيف أو نفساء أو فرح أو غرماء يطالبونه وهو عاجز عن الوفاء ومستخف بالبيت. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
57
وهذا النص يدل دلالة قاطعة على أن الضمير «نا» في قوله (أخذ علينا العهد) يراد به الصوفية المصريون؛ فآداب الشعراني هي آداب محلية أوحاها ظرف المكان.
والأصل في كل دعوة أدبية أو اجتماعية أو دينية أن تصطبغ بالموطن الذي نشأت فيه، وكذلك يجب أن تغلب الألوان المحلية في كل أثر أدبي أو اجتماعي أو ديني، ولكنا لا نجد هذا الشرط يتحقق عند أي مؤلف على نحو ما تحقق عند الشعراني؛ فالبيئة المصرية تطل من كل سطر، بل من كل حرف، وهو في اتجاهاته الذهنية، وأخيلته الأدبية، مصري صميم عرف أخلاق الفلاحين، وأخلاق أهل القاهرة التي يسميها «مصر المحروسة». ومعرفته لأهل مصر في مسالكهم الخلقية والمعاشية يعطي كتبه منزلة عظيمة هي تأريخ المجتمع المصري في ذلك الحين.
وقد شرحنا ذلك بالتفصيل في القسم الأول من هذا الكتاب فليرجع إليه القارئ هناك.
58
الشعراني والخواص
وفي ختام هذا الفصل ينبغي أن ننص على أن مصادر الشعراني في كتبه الأخلاقية ترجع إلى أصلين: الأول: كتب الفقه والتصوف والحديث، والثاني: ما تلقاه شفويا عن أشياخه في الطريق، وهنا نذكر بالذات عليا الخواص، وكان من مشاهير الأولياء وله ضريح يزار بالحسينية، فقد أكثر الشعراني من نقل أقواله، والاستشهاد بآرائه في كثير من الشؤون.
وإذا صدق الشعراني فيما نقل عنه - وهوعندنا صادق - فإن الخواص يعد بما نقل عنه من أئمة التصوف، ورجال الأخلاق، ومن أعيان مصر في القرن العاشر، وإذا كان الخواص لم يترك شيئا يستحق الذكر من المؤلفات، فإن الشعراني صنع معه ما صنع أفلاطون مع سقراط.
ما هذا؟ أيصح في الأذهان أن يقرن اسم الشعراني إلى اسم أفلاطون، واسم الخواص إلى اسم سقراط؟
وهل يقدم هذا الكلام إلى الجامعة المصرية؟
إي والله! هذا من موجبات العجب، ولكنه حق؛ فإن شطحات الشعراني وحدها تضعه في الصف الأول بين رجال الخيال، وإحاطته بالعلوم الإسلامية والعربية وصدق رأيه في معرفة أهل زمانه تضيفه إلى صفوف العلماء والحكماء. ولا أنكر أن له أحيانا جرأة تثير النفوس، ولكن مجموعة ما ألف هذا الرجل تشهد بأنه كان من العظماء، وليس من الحتم أن يكون جوهر علمه من جوهر العلم الذي أذاعه أفلاطون، فإن الفرق بين العقلين عظيم، ولكن مجهود الشعراني في نشر الثقافة الشرعية والصوفية لا يقل خطرا عن مجهود أفلاطون في نشر ثقافة اليونان.
إننا ننظر إلى الشعراني بعيون جلتها حقائق العلم الحديث، ومن أجل ذلك ننكره ونقسو عليه، ولو أننا تمثلنا العصر الذي نشأ فيه، ونظرنا فيما ترك من المصنفات وما سطر من أخبار الحقائق والأضاليل، وتذكرنا ما رعي من الفقراء وما هدى من الطلاب، وما تسامى إليه حين تطلع إلى أسرار الوجود، لو نظرنا هذه النظرة لأحسسنا بتيارات من العطف تجرف ما أخذنا عليه من الوساوس والهفوات.
وأما الخواص فماذا نقول فيه؟
ليمر من شاء بشارع الحسينية، فإن فعل فسيرى ضريحا لا يعرفه غير العوام، وهم لا يذكرون إلا أنه كان رجلا صالحا يعيش من جدل الخوص فهل في الناس اليوم من يعرف أن هذا الرجل المجهول هو الذي قال: «من أراد أن يعرف مرتبته في العلم الذي يزعم أنه من أهله فليرد كل قول إلى قائله، وكل علم إلى عالمه ، وكل شيء استفاده من أمر دنياه وآخرته إلى من استفاد منه، وينظر نفسه بعد ذلك».