تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن أدب الشعراني في هذه الشؤون أدب عيسوي، فهو لا يبعد كثيرا عن أدب المسيح إذ قال: دعوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.

فالمريد الذي يؤدبه الشعراني هو رجل يقبل كل شيء ليس له أن يثور على الحكام وإن كانوا ظلمة؛ لأن الله لا يرفع أحدا إلا لحكمة، وقد يكون الحاكم الظالم سوطا سلطه الله على المذنبين!

المريد الذي يؤدبه الشعراني رجل ترابي، هو كأكثر من نعرف من أهل هذا العصر، ففي الناس من يؤيدون كل حكومة، ويسيرون في كل ركاب، ويكادون يقولون حين يسمعون كلام أي وزير: صدق الله العظيم!

وهذا أدب جميل إذا قيس بما فيه من سلامة العواقب، وبما يجلب من الحظوظ الدنيوية، ولكنه أدب منحظ إذا تذكرنا أن من واجب أهل الرأي أن يقفوا وقفة الآساد في وجوه الظالمين.

وعذر الشعراني يبدو مقبولا؛ لأن الواعظين لا يسمع لهم حين يقاومون الحكام، وفاته أن الرأي يتكون من تلك الكلمات الصغيرة التي ينقلها المنكرون من مكان إلى مكان، وأعنف الحكام وأصلبهم لا يقدر على الوقوف في وجوه الناس حين يغضبون، وهل تقدر وأنت سيد على تذمر الخدم في بيتك؟! إن الذين يصانعون الحكام الظالمين باسم السياسة وتدبر العواقب هم قوم جبناء يسترون جبنهم بتصنع الحكمة، وبعد النظر، ومرونة العقل، وهذه الشمائل المصقولة لا تنبت إلا في قلوب الضعفاء، وقد صرح الشعراني عن جبنه

53

حين قال:

أخذ علينا العهد أن لا تتصدر لإزالة منكرات الولاة إلا إن كان معنا تصريف فيهم، وإلا آذونا ونفونا من بلادنا، وأحوجونا إلى الاستخفاء زمانا طويلا.

54

ومعنى هذا أن إزالة منكرات الولاة لا تكون إلا عند ضمان السلامة، والسلامة مطلب وضيع في نظر كبار الرجال.

الشخصية الخلقية للمريد

ننتقل من هذا إلى رأيه في تربية المريد من الوجهة العقلية، وهو ينهاه عن قراءة كتب التصوف والتوحيد المطلق، فلا يقرأ كتب ابن عربي أو غيره من غلاة الصوفية؛ «وذلك لعدم الفائدة، وشدة الإنكار على من تفوه بما ذكروه فيها مما يخالف عقول غالب الناس؛ وما كل ما يعلم يقال. وربما فهموا منها أمورا تخالف صريح السنة فيموتون على اعتقادها فيخسرون مع الخاسرين. وما رأينا قط مريدا بلغ مبلغ الرجال بمطالعة كتاب».

55

ولا ينافي هذا ما جاء في مقدمة اليواقيت والجواهر من الدعوة إلى قراءة كتب ابن عربي فإنه هناك احترس حين أقنع المريد بأن ما جاء في كتب ابن عربي مخالفا للشرع إنما هو من وضع الدساسين، ونخلص من هذا إلى أن التصوف عنده يجب أن يقيد بالشرع، وأن المريد يجب عليه أن يحترس من مزالق العقول.

تربية المريد من الوجهة العقلية

ونهيه عن قراءة كتب التصوف لم يمنعه من أن يملأ كتبه بأقوال الصوفية في الرمزيات، فقد نقل كلمة أبي الحسن الشاذلي في تفسير آية:

وما تلك بيمينك يا موسى

على الطريقة الصوفية: «يقال للولي: وما تلك بيمينك أيها الولي؟ فيقول: هي دنياي أنفق منها على نفسي وأهلي وإخواني، فيقال له: ألقها، فيلقيها فيجدها حية تسعى في هلاك قابضها، فيأخذ حذره منها، فإذا حذر منها يقال له: خذها ولا تخف. فكما ألقاها أولا بإذن حال بدايته فكذلك أخذها بإذن حال نهايته».

56

والواقع أن الشعراني سلك مسالك الصوفية في أكثر مؤلفاته، فتجوز في الألفاظ والمعاني، ودخل إلى قلوب القراء بأساليب لا تخلو من فتون، ولكن الخطر عند الشعراني يخالف الخطر عند ابن عربي؛ فالذي يؤمن بكل ما أشار به الشعراني يخرج وهو مخبول، والذي يؤمن بكل ما أشار به ابن عربي يخرج وهو زنديق، والفرق بعيد بين الزندقة وبين الخبال.

فسذاجة الشعراني هي أصل ما يقع فيه من انحراف، ومكر ابن عربي هو أصل ما يقع فيه من ضلال.

تأثر الشعراني بالبيئة المصرية

بقيت مسألة يجب النص عليها: وهي أن الشعراني لا يكاد يعرف غير البيئة المصرية، فهو يضع الآداب لمواطنيه من أهل مصر، ولا يفكر فيمن عداهم من المسلمين، وهو حين يتحدث عن نقص الدين أو رفع الرأفة من قلوب الناس لا يعني أحدا غير المصريين، وقد مضت النصوص التي تعين هذا المعنى، ويؤيدها قوله في البحر المورود:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٣٠