49
كيف نعامل النصارى واليهود
ولم يفت الشعراني أن يضع للمريد دستورا يسير عليه في معاملة الفرق الإسلامية، وعنده أنه لا ينبغي التجرد للرد على أمثال المعتزلة والجبرية إلا إن عارض كلامهم نصا قاطعا أو إجماعا عاما؛ «لأن دين الإسلام يشملهم ويعمهم» لانبساط شعاع نوره على قلوب جميع المسلمين. والخطأ من كل وجه لا يكون إلا للكفار، فإذا سمعنا الجبري مثلا يقول: (لا فعل إلا لله) لا يجوز لنا الإنكار عليه بمجرد هذا القول، وإنما ننكر عليه قوله بعد إسناد الأفعال إلى العباد فقط لكون الحق تعالى أضاف أفعاله إليهم فمن نفى إسناده فقد أخطأ لقصور نظره. وإذ سمعنا المعتزلي يقول: (الفعل للعبد) لا ننكر ذلك بل بعدم إضافتها إلى الله جملة واحدة، فكل من الجبري والمعتزلي مخطئ من وجه، والكامل من نظر بعين الحقيقة وبعين الشريعة فرأى الفعل لله إيجادا وللعبد إسنادا.. وقس على الجبرية والمعتزلة غيرهما من الفرق الإسلامية.
50
وهذه اللفتة تدل على اهتمام الشعراني بتصفية البيئة الإسلامية وحمايتها من الجدل المؤذي الذي يفسد ما بين الناس من صلات الإخاء.
كيف نعامل الفرق الإسلامية؟
والشعراني ينصح بمداراة الحكام ويقول: «أخذ علينا العهد بأن نأمر إخواننا أن يدوروا مع الزمان وأهله كيف داروا، ولا يزدرون قط من رفعه الله عليهم، ولو في أمور الدنيا وولايتها، كل ذلك أدبا مع الله عز وجل الذي رفعهم؛ فإنه ما يرفع أحدا إلا لحكمة، ثم أي فائدة لازدرائهم من ارتفع عليهم، مع أن أحدا لا يسمع لهم؟ وهذا العهد قل من يعمل به من الناس فيقولون عن المحتسب أو الوزير أو غيرهما: من أين لهؤلاء السفل الضخامة علينا ونحن نعرف آباءهم، وفلان كان أبوه زبالا، وفلان كان أبوه نوتيا، وفلان كان أبوه فلاحا، ونحو ذلك من الهذيانات. ومن أقام هذا الميزان اليوم على الناس حرم بركة أهل زمانه».
51
وظاهر من هذا الكلام أن المصريين الذي عرفهم الشعراني في القرن العاشر كانوا كالمصريين الذين نعرفهم اليوم في القرن الرابع عشر؛ فالنوتية عمل حقير، والفلاحة عمل حقير، والمرء لا يصح له أن يكون وزيرا إلا إن كان من بيت له ماض في ولاية أمور الناس.
والمهم هو أن نسجل هذه النظرة الخلقية؛ فالذي يعادي الحكام ويفكر في لمزهم وغمزهم هو رجل حرم بركة أهل زمانه، وهذا الرأي حق وصدق فالحكام يملكون ما لا نملك، وبيدهم تصريف الأمور. والطعن في آبائهم وأجدادهم هذر سخيف لا يحسنه غير السخفاء.
وهذا الأدب له غور أعمق من ذلك؛ لأن انتقاص الحكام يزعزع الوحدة القومية، ويقسم الأمة إلى شطرين: رعية حاقدة، وحكام مبغوضين، وسلامة الأمة لا تكون إلا بالألفة بين الحاكمين والمحكومين.
والشعراني يكرر هذا المعنى كلما لاحت فرصة. ومن رأيه أنه ينبغي لنا إذا اجتمعنا بسلطان أو أمير أو كبير في قومه أن نسأله أن يدعو لنا. ولو كان غير صالح، فإن الله تعالى يستحي أن يرد دعاء هؤلاء الأكابر بين قومهم ورعيتهم ويخجلهم. ويضرب المثل بما وقع لفرعون حين طلب منه قومه أن يطلع لهم نيل مصر لما توقف، فإنه قال: يا رب لا تخجلني بين عبادك فأجابه. ثم يقول الشعراني:
وهذا سر قل من يتنبه له من الناس ... ولما طلعت للباشا داود نائب مصر في هذا الزمان في قضية أوجبت ذلك في سنة خمس وأربعين وتسع مئة سألته الدعاء بأمور كانت متوقفة علي شهورا، فنزلت من القلعة فوجدتها كلها قد قضيت، فاعلم ذلك واعمل عليه.
52
كيف نعامل الحكام؟
والظاهر أن الشعراني كان رجلا أزرق الناب، فإنه قدر في كظم الغيظ على ما لم يقدر عليه أحد من الصوفية، هو رجل سياسي حنكته الأيام فاصطنع المجاملة والمداراة؛ وذلك أدب لا يعاب، ولكن لا يمكن القول بأن مقامه يساوي مقام المخاطرين من أرباب الشجاعة الأدبية الذين أسمعوا كبار الخلفاء ما لا يحبون.