3
والخلق في هذه العبارة يتمثل في التربية النفسية التي دعا إليها صاحب هذه الحكمة، أما الأدب فيتمثل في قوله: «خلفوا ما لهم لمن لا يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم»، وهو كلام يبدو لمن يتأمله غاية في روعة الخيال.
وشبيه بذلك هذه الفقرة:
رأى بعض النساك صديقا له من النساك مهموما فسأله عن ذلك فقال: كان عندي يتيم أحتسب فيه الأجر فمات، قال: فاطلب يتيما غيره فإن ذلك لا يعدمك إن شاء الله تعالى! فأجاب: أخاف أن لا أصيب يتيما في سوء خلقه. فقال: أما إني لو كنت مكانك لم أذكر سوء خلقه.
4
ففي هذه الفقرة خلق، وفيها أدب، أما الخلق ففي المعنى كله، وأما الأدب ففي الذكاء الذي يتمثل في الاستدراك الأخير، وهذا الذكاء في هذا المقام من صور الخلق ولكنه بالأدب ألصق.
وكذلك هذه الفقرة: «صام رجل سبعين سنة، ثم دعا الله في حاجة، ولم يستجب له، فرجع إلى نفسه فقال: (منك أتيت) فكان اعترافه أفضل من صومه».
والفطنة إلى أن الاعتراف كان أفضل من الصوم فيها خلق، وفيها أدب، أما الخلق ففي تصور القيمة المعنوية للوم النفس، وأما الأدب ففي الذكاء الذي يمثله هذا التعقيب.
وقال شيخ من أهل المدينة: ما كنت أريد أن أجلس إلى قوم إلا وفيهم من يحدث عن الحسن وينشد للفرزدق.
5
فما معنى هذا؟ معناه أن الحديث عن الحسن البصري كانت فيه متعة أدبية لا تقل عن إنشاد شعر الفرزدق، والحق أن النساك والزهاد والصوفية كانت لهم كلمات تشوق القلب والوجدان، ومن الإطناب أن نكثر الشواهد، فلنكتف بخطبة عمر بن ذر يوم مات ابنه وقد وقف على قبره فقال: «يا ذر، والله ما بنا إليك من فاقة، وما بنا إلى أحد سوى الله من حاجة. يا ذر، شغلني الحزن لك عن الحزن عليك»، ثم قال: «اللهم إنك وعدتني بالصبر على ذر، صلواتك اللهم ورحمتك، وقد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذر لذر، فلا تعرفه قبيحا من علمه، اللهم وقد وهبت له إساءته إلي فهب لي إساءته إلى نفسه، فإنك أجود وأكرم»، فلما انصرف عنه التفت إلى قبره فقال: «يا ذر، قد انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك».
6
وكلام الزهاد والنساك كثير جدا، اهتم به الجاحظ وابن قتيبة، وغيرهما من المؤلفين، ولا شك في أن الصور الأدبية كانت مما لحظه من جمع كلام أولئك الرجال.
اهتمام المؤلفين بأدب النساك
وكان أكثر الصوفية معروفين بسعة الإطلاع وكثرة الحفظ، وكان في شريش صوفي حافظ للشعر فلا يعرض في مجلسه معنى إلا وهو ينشد عليه، فاتفق أن عطس رجل بمجلسه فشمته الحاضرون فدعا لهم، فرأى الصوفي أنه إن شمته قطع إنشاده بما لا يشاكله من النظم، وإن لم يشمته كان تقصيرا في البر ... إلى آخر ما حدث صاحب نفح الطيب.
7
وهذا الخبر في جملته فكاهة، ولكنه دليل على هيام الصوفية بالثقافة الأدبية.
حرص الصوفية على الثقافة الأدبية
لا مفر من الاعتراف بأن الصوفية كان لهم وجود أدبي ملحوظ، وكيف لا يكون الأمر كذلك وقد عرفت عنهم ألفاظ وتعابير دونها المؤلفون، وتلك الألفاظ والتعابير هي ثروة لغوية يقام لها وزن حين تدرس المصطلحات، وقد يقال: إن لكل قوم ألفاظا وتعابير حتى النجارين والحدادين، ولا يكون ذلك عنوانا على سلطتهم الأدبية، ونجيب بأن ألفاظ الصوفية جرت في الأغلب حول معان وجدانية وروحية ونفسية واجتماعية: فهي ألصق بالحياة الأدبية.
ولنقيد هنا بعض ما عرف عنهم من الألفاظ، ولنتخير ما قد يحتاج إلى معرفته قارئ هذا الكتاب.
8
المريد:
هو المتجرد عن إرادته.
المراد:
هو المجذوب عن إرادته، مع تهيؤ الأمور له، فجاوز الرسوم والمقامات في غير مكابدة.
السالك:
هو الذي مشى على المقامات بحاله لا بعلمه.
السفر:
عبارة عن القلب إذا أخذ في التوجه إلى الحق.
المسافر:
هو الذي سافر بفكره في المعقولات والاعتبارات.
الطريق:
عبارة عن مراسم الحق تعالى المشروعة التي لا رخصة فيها.