تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صوفية ما رضوا للصوف نسبتهم

حتى ادعوا أنهم من طاعة صوفوا

66

وقد استبعد ذلك القشيري وهو من أقطاب الصوفية.

والفرض الرابع - وهو نسبتها إلى سوفيا اليونانية - ليس إلا ضربا من الإغراب، وقد قال به أبو الريحان البيروني سنة 440 وقال به فون هامر من المستشرقين وتعصب له الأديب عبد العزيز الإسلامبولي،

67

والأستاذ محمد لطفي جمعة في مقال كتبه في المعرفة،

68

ومقال كتبه في البلاغ.

وكلمة «سوفيا» اليونانية معناها الحكمة، ومنها فيلسوف: أي محب الحكمة وكانت الفلسفة عند اليونان القدماء تهتم بالعلوم الطبيعية، وكان كثير من فلاسفتهم أطباء، وقد ترجمها العرب فسموا الطب الحكمة، وكلمة حكيم لا تزال تؤدي معنى كلمة طبيب، والفلسفة نفسها سماها العرب الحكمة، وقالوا: تاريخ الحكماء، فهم عرفوا من «سوفيا» الفلسفة والطب. أما الحكمة الروحانية فمن البعيد أن يكونوا لمحوها؛ لأنهم كانوا يرون اليونان من عبدة الأوثان.

على أنه ما الذي يمنع من أن تكون «سوفيا» بمعنى الحكمة الروحانية جاءت من كلمة صوف، وهي قديمة في العربية؟ إن التصوف قديم جدا عند العرب، وهو أساس المسيحية، ولبس الصوف كان علامة التقشف، فليس من المستبعد أن ترحل كلمة صوف إلى معابد اليونان.

ولا يفوتنا أن نقيد أن العرب كانوا مولعين بحفظ ما يدخل لغتهم من الألفاظ الأجنبية، ولو كان «التصوف» من «سوفيا» لنصوا عليه في كثير من المؤلفات فلم يبق إلا أن يكون ورودها في كلام البيروني بابا من الإغراب.

خاتمة البحث

وقد بقيت فروض لا تقوى على احتمال البحث كالنسبة إلى الصف بالفتح، والصفة بالضم، والصفة بالكسر، وعند التأمل نجد هذه الفروض لم تعرف إلا بعد الصدر الأول حين استقل الصوفية نسبتهم إلى الصوف!

وغرام بعض الكاتبين من أهل هذا الزمان برد الصوفي إلى سوفيا اليونانية يمثل إحدى النزعات العصرية، ففي أهل هذا الزمن من يرد كل كلمة عربية إلى أصل أجنبي حين يرد لها مشابه في لغة أجنبية، فإذا وجدت اللفظة في العربية والعبرية فالأصل للعبرية، وإذا وجدت في العربية والسريانية فالأصل للسريانية. أما اليونانية فهي عند كثير من المعاصرين سيدة اللغات في الشرق القديم!

وليس معنى هذا أننا نجعل العربية أصلا في جميع الأحوال، ولكنا نتحرز حين نجد التأويل يمت إلى نزعة يغلب عليها التجني والافتعال.

هذا ولست أدعي أكثر من أني عانيت مشقة عظيمة في إعداد هذا البحث وسأظل راضيا عنه إلى أن توجد نصوص جديدة تحمل على الشك فيما قدمت من البينات.

69

| التصوف في الأدب

الفرق بين النظرة الأدبية والنظرة الخلقية

بينا في فاتحة الكتاب كيف كانت للوصفية آثار أدبية، ونعود إلى هذا المعنى بشيء من التفصيل فنقول:

كان الصوفية يعرفون باسم القراء والزهاد والنساك، وكان ملحوظا فيهم أنهم من أقطاب الأدب والبيان، ومن المؤكد أن الجاحظ حين اهتم بهم لحظ فيهم شيئين: جودة الأدب وقوة الأخلاق؛ ولذلك نراه يقول في مطلع كتاب الزهد:

1 «نبدأ باسم الله وعونه بشيء من كلام النساك في الزهد، وبشيء من ذكر أخلاقهم ومواعظهم»، فهو يرى في «الكلام» صورة غير صورة «الأخلاق والمواعظ».

والفرق واضح بين قول ابن سيرين: «ما حسدت أحدا على شيء قط»

2

وقول أبي الدرداء: «كان الناس ورقا لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه».

فالعبارة الأولى خلق محض، والعبارة الثانية أدب صرف، وكانت الأولى خلقا محضا؛ لأنها تعبر تعبيرا ساذجا عن معنى من أشرف المعاني الخلقية، وكانت الثانية أدبا صرفا؛ لأن جمالها يرجع إلى ما وشاها به القائل، وكلتا العبارتين صدرتا عن أنفس مشبعة بروح التصوف. •••

وقد يجتمع الأدب والخلق في تعبير واحد، كقول أبي حازم: «الدنيا غرت أقواما فعملوا فيها بغير الحق، ففاجأهم الموت: «فخلفوا ما لهم لمن لا يحمدهم وصاروا إلى من لا يعذرهم، وقد خلقنا بعدهم فينبغي لنا أن ننظر إلى الذي كرهناه منهم فنجتنبه، وإلى الذي غبطناهم به فنستعمله ».

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٢