تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم تاب عليهم ليتوبوا ، فإذا انتهى خلق المعصية فيهم تابوا لا محالة».

41

وهذه المسألة لا تبعد كثيرا عن رأيه الذي عرضناه آنفا في الإسناد والإيجاد.

الرفق بالأعداء

والشعراني لا يبيح أن ندعو على من ظلمنا فلا نقول قط: «اللهم من كادنا فكده، ومن بغى علينا فخذه» ونحو ذلك، والرأي عنده أن نرجع إلى نفوسنا فننظر السبب الذي تحكم فينا ذلك الظالم بسببه فنتوب منه ونستغفر ونرجع إلى الله، فإن لم تتيسر لنا توبة صبرنا واحتسبنا، وقد دعا رسول الله على قريش بالهلاك فأنزل الله تعالى عليه:

وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين

فاستحيا من الله، وترك الدعاء عليهم، وصار يدعو لهم بالهداية.

وهنا يبلغ الشعراني ذروة التصوف إذ يقول في تلطف وترفق:

واعلم يا أخي أن من شأن كل عارف أن يرى نفسه قد استحقت الخسف به لولا عفو الله، وأن جميع ما يقع عليه من البلايا والمحن دون ما كان يستحق، ويرى جميع الظلمة في هذه الدار كزبانية جهنم، إلا أنهم خالفوا الزبانية في هذه الدار في ظلمهم للعباد في كونهم تحت النهي، بخلاف الزبانية فإنهم هناك تحت الأمر. ومعلوم عند كل عارف أن حكم الإرادة لا مرد له؛ لأنه لا يصح قط لأحد أن يخالف إرادة الله، بخلاف أمره فيصح مخالفته لقوة سلطان الإرادة فافهم،

42

ومن هذا المشهد قل تكدير العارفين لمن ظلمهم وآذاهم، فإن الظالم حكمه حكم السوط الذي يضرب به، فالغيظ حقيقة إنما يكون من الضارب الظالم لا من السوط، فمن اغتاظ من السوط فهو محجوب عن تمام العقل.

43

ومعنى هذا أن ما يقع علينا من الظلم إنما هو تأديب من الله، والظالمون هم أدوات التأديب، ونحن حين نثور عليهم يكون مثلنا مثل من يثور على السوط الذي يضرب به، والأولى أن يثور على حامل السوط، ولكن حامل السوط في هذه المرة هو الله الذي لا يظلم أحدا من العالمين.

كيف نعامل من يظلمنا

ويمضي الشعراني في الترفق، فيذكر أن العهد أخذ علينا أن لا نطلق أبصارنا في عيوب الناس، ولا نسأل قط عن تحقيق ما سمعناه في حقهم من التهم، ونحفظ أسماعنا وأبصارنا عن مثل ذلك، فمن شق جيب الناس شقوا جيوبه، ومن كان عليه دين قديم قضاه لا محالة،

44

وهو يحرص على توكيد هذا الأدب الجميل، وينقل أن الحسن البصري كان يقول: والله لقد أدركنا قوما كانت عيوبهم مستورة فبحثوا عن عيوب الناس فأظهر الله عيوبهم، ورأينا أقواما ليس لهم عيوب فبحثوا عن عيوب الناس فأحدث الله لهم عيوبا.

ولا يقف الشعراني عند هذا الحد من أدب النفس، بل يرى من حسن الخلق أن تغفر لمن آذاك من الناس،

45

ويوصي بأن يكون الإنسان نفاعا لمن يذمونه ويقعون في عرضه ممن لا يعرفون أدب الرجال،

45

ويرجون أن نعود أنفسنا طلاقة الوجه لكل مسلم من عدو وصديق.

46

غض البصر عن عيوب الناس

ولا يكفي عنده أن نترفق بالمسلمين وحدهم، فإن الترفق واجب في معاملة جميع الناس، ويقول في ذلك:

وكثيرا ما كاتبت اليهود والنصارى أصحاب المكوس في تخفيف المظالم عن المسلمين،

47

وأقول في كتابي لهم: أسأل الله للمعلم فلان أن يرضى عنه، ويدخله الجنة مع الصديقين والشهداء والصالحين، وأضمر له سؤال التوبة من الكفر ليصح دخوله الجنة، وربما أنكر ذلك من لا علم له بطرق السياسة، فإني أعلم أني لو قلت له: أسأل الله للمعلم فلان أن يتوفاه على الإسلام لنفر خاطره مني، ولم يقبل شفاعتي، كما ينفر المسلم من قول أحد له: أسأل الله أن يميت البعيد على غير الإسلام. قال تعالى:

كذلك زينا لكل أمة عملهم ، فاعرف يا أخي طرق السياسة، وعود نفسك طيب الكلام، فإنه أحسن سواء كان المخاطب صالحا أو طالحا، والله عليم حكيم.

48

وما نحب أن تفوت هذه المناسبة بدون أن نقيد أن الشعراني يذكر في مواطن مختلفة أن كثيرأ من اليهود أسلموا على يديه بفضل الرفق و(الكلام لحلو) على حد تعبيره. واليهود في كلامه هم مثال الكفر الموبق، وهو يضرب بهم المثل حين يتكلم عن أهل الزيغ، وهذا يدل على أن يهود مصر لعهده لم تكن لهم منزلة اجتماعية.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٢٨