تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسناد والإيجاد

ويزيد في قيمة هذه النظرة الخلقية أنها موصولة عنده بأدب آخر هو التفكير في الإسناد والإيجاد، فمن الأدب الذي اختاره الشعراني أن نضيف كل محمود في الوجود إلى الله إسنادا وإيجادا، وأن نضيف كل مذموم في الوجود إلى النفس والشيطان إسنادا لا إيجادا. وعلى ذلك ينزل قوله تعالى:

ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ، وإن كان الكل من عند الله، وينزل قول الرسول: (الخير كله بيديك، والشر ليس إليك) أي لا يضاف إليك أدبا كما لا يقال: (سبحان خالق الخنازير)، وإن كان هو الخالق بإجماع الناس في جميع الديانات.

35

وهذه المسألة من المشكلات، وقد عرض لها في لواقح الأنوار بكلام متموج لا يحل ولا يربط

36

إذ قال:

أخذ علينا العهد العام من رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أن ندفع غضبنا ونكظم غيظنا، ونأمر بذلك جميع إخواننا، وإذا غضب أحدنا وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع، فإن لم يزل فليتوضأ، ويحتاح من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك على يد شيخ صادق يدخله إلى حضرة الرضا بكل واقع في الوجود، وبطريقه الشرعي فلا يبقى عنده شيء يغضبه؛ لإنه حكيم عليم، وما ترك الناس يغضبون إلا حجابهم عن شهود أن الله هو الفاعل لكل ما برز في الوجود، وشهودهم الفعل من جنسهم، فلذلك غضبوا على غضبهم، ولو سلكوا الطريق لوجدوا الفعل لله تعالى ببادئ الرأي فلم يجدوا من يرسلون عليه غضبهم ، ووجدوا كل شيء وقع في الوجود هو عين الحكمة فذهب اعتراضهم ... فعلم أن الكامل لا يغضب لنفسه قط، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله تعالى. وكأن الحق يقول للكامل: إذا رأيت عملا برز على يد أحد من عبيدي مخالفا لشريعة نبي فاغضب، ولو شهدت أني أنا الفاعل، لكني لا آمرك أن تغضب على فعلي، وإنما آمرك أن تغضب على وجه نسبة الفعل إلى عبدي.

37

وهذا كلام متهافت؛ لأنه لا يعرف أحد كيف يفعل الله الفعل ثم يغضب ويأمرنا أن نغضب. وكيف يغضب أو نغضب وكل شيء وقع في الوجود هو عين الحكمة والصواب؟

إن الشعراني هنا متهافت، ولكن المهم أن نسجل أنه ينهي عن الغضب ويدعو إلى كظم الغيظ، ويروض المريد على الرضا بكل واقع في الوجود.

ومسألة «النسبة» مسألة هينة: لأننا لا نذب حين نذنب إلا كما تفعل السيارة حين تدوس طفلا في الطريق. فالسيارة هي التي قتلت على طريق النسبة، والقاتل الحق هو السائق، وهو وحده المسئول

وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ، وما قتل السيف إذ قتل، وإنما قتل السياف.

الترفق في معاملة الفاسقين

وهذا الاتجاه في فهم الإيجاد والإسناد جعل الشعراني يترفق في معاملة الفاسقين، فهو ينهى عن صحبتهم، ولكنه يراها متعينة حين نقصد بها تمهيد بساط التوبة لهم، كما عليه الدعاة إلى الله «فإنهم لا يبعدون عن مستقيم ولا أعوج؛ فإن المستقيم لا يجوز هجره، والأعوج محتاج إلى من يقوم عوجه، وقد أغفل هذا الأمر خلق كثير من طلبة العلم فبعدوا عن خلطة المعوجين من الظلمة فحرموا بركة هدايتهم، ولو أنهم قربوا منهم مع العفة عما بأيديهم من الدنيا

38

وسارقوهم بالوعظ لربما أثرت فيهم مواعظهم».

39

والشعراني ينهى عن اغتياب الفساق، ويرى أنه لا يجوز لك أن تستغيب فاسقا أو تؤذيه أو تشق عليه، ويستأنس بحديث (لا غيبة في فاسق)، ويقول: إن بعضهم قال في تأويله «احفظوا لسانكم في حقه ولا تغتابوه، فجعل لفظ (لا) ناهية»،

40

وهو يميل إلى قبول هذا التأويل.

وصرح في البحر المورود أن العهد أخذ علينا أن نرفق بالمسيئين، وأن نكون أرحم بهم من أنفسهم، بحكم الإرث لرسول الله الذي قال: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) وقد قالوا: من نظر إلى الخلق بعين الحقيقة رحمهم، ومن نظر إليهم بعين الشريعة مقتهم. ثم قال في تفسير هذه الكلمة: «وعين الحقيقة أن تشهد أن الحق تعالى ما دام يخلق فيهم المعاصي لا يمكنهم الرجوع عن الوقوع فيها، قال تعالى:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٢٧