27
من مصر المحروسة، وكان في سلسلة فضة، وقد أشار إلى ذلك الشيخ عبد العزيز الدريني في منظومته وكان في سنة سبعين وخمس مئة يقول:
وقد بدا النقص في الأحوال أجمعها
وبدلت صفوة الأوقات بالكدر
28
وهذه الفقرة تشهد بأنه رأى ذلك التاريخ مرتين، مرة في لوح نزل من السماء، ومرة في لوح مكتوب تجاه مدرسة بباب الخلق، ومع ذلك نراه في مكان آخر يحكم بأن الدين أخذ في النقص في منتصف القرن السابع
29
ويقول:
وقد مضى الإئمة والعلماء والقوامون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأظلمت الدنيا لفقدهم، وكانت أنفاسهم تحميهم من الظلمة حتى يقوموا بالمرتبة حين كان الدين في زيادة، فلما أخذ الدين في النقص في سنة ثلاث وخمسين وست مئة ضعفت قلوب العلماء وعجزت عن إزالة المنكرات لكثرتها، وقلة من يساعد عليها، وقلة الولاة الذين يسمعون للعلماء.
30
وما ندري كيف وقع الشعراني في هذه الورطة فأخذ يؤرخ نقص الدين ويضطرب في التاريخ.
وما ندري أيضا كيف صح عنده أن الدين لم يلحقه نقص إلا في القرن السادس، أو السابع، أو العاشر، مع أنه هو نفسه روي أن سفيان الثورة كان يخرج إلى السوق فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فما مات حتى صار يرى المنكر فلا ينكره، فقيل له في ذلك فقال: كان قد انفتح في الإسلام ثلمة فأردنا أن نسدها فانفتح فيه ذروة وانهدمت من أركانه أركان، ثم صار يبول الدم من الحزن إلى أن مات.
31
ولسنا في حاجة إلى النص على أن من عادة الناس أن يشكوا زمانهم، وأن يترحموا على الأزمان السوالف، وإنما المهم أن ننص على أن الشعراني يفصل بين عهود الخير وعهود الشر بتاريخ محدود، ويستند تارة إلى لوح نزل من السماء، ويعتمد تارة أخرى على كلام الخواص.
ولهذه النظرة أثر في أحكامه الأخلاقية: فهو من المتشائمين، بل من اليائسين، والمصلح اليائس لا يرجى له نجاح.
ذهاب الخير من مصر بانتصاف القرن العاشر
على أن للشعراني كلمات أخرى تمثل رأيه في الطبيعة الإنسانية وتصرفه عن الاعتماد على مثل ما توهم من رفع الخير من قلوب الناس في تاريخ محدود، فقد اتفق له مرة أن يحكم بأن الخير هو الأصل، وأن الشر عارض، ولم يحدد ذلك بزمان، واتفق له مرة أخرى أن يحكم بأن «طينة الآدمية واحدة»، وأن الجائز وقوعه من أفسق الفاسقين جائز وقوعه من أصلح الصالحين،
32
ولم يخرج عن هذه «الطينة» في رأيه سوى الأنبياء لعصمتهم، وبعض الكمل لحفظهم،
32
وتنتهي هاتان الفكرتان إلى غاية واحدة هي أن الإنسان صالح للخير وهو أصل، وصالح للشر وهو عارض، وأنه حين يصلح لا يصلح أبدا، وحين يسوء لا يسوء أبدا، بل يجوز للفاسق أن يعمل ما يعمل الصالح، ويجوز أن يقع الصالح فيما يقع فيه الفاسق.
ومعنى ذلك أن التسامي إلى الهداية ليس له زمان، بل هو مطلوب في كل زمان.
رأي الشعراني في الطبيعة الإنسانية
ويتصل بهذا رأيه في الذات الإنسانية، فالإنسان صنعة الله تعالى، وصنعته كلها حسنة، والقبيح إنما هو عارض عرض من حيث الصفات لا الذوات، وجميع ما أمرنا الله بمعاداته إنما هو من حيث الصفات، فلو أسلم اليهودي وحسن إسلامه أمرنا بمحبته، فما زالت منه إلا صفة الكفر، وذاته لم تتغير.
33
فالذات الإنسانية حسنة في جميع الأحوال من حيث هي ذات، ولا تقبح إلا بقبح الصفات.
ولعله أخذ هذا المعنى من ابن عربي حين حكم بأن الطهارة من الحدث غير معقولة المعنى ؛ لأن الحدث وصف نفسي للعبد، فكيف يمكن أن يتطهر الشيء من حقيقته، فإنه لو تطهر من حقيقته انتفت عينه، وإذا انتفت عينه فمن يكون مكلفا بالعبادة.
34
ولهذا الملحظ قيمة في توجيه النظر الأخلاقي؛ فكل إنسان له قيمة ذاتية، وإن أمعن في الكفر والفسوق، وعلى رجال الأخلاق أن ينظروا إلى الملحدين والآثمين نظرة إشفاق؛ لأنهم في حقيقة الوجود جواهر علاها الصدأ فبدت كالمعدن الخسيس، ولو أمكن جلاء تلك الجواهر لنصبت لها سوق في عالم النفائس، وتسابق إليها عشاق اللؤلؤ المكنون.