تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19

وأحدهم يحسب أنه كتم ما رأى، والحال أنه هتك أخاه بين الناس.

20

ولا يكتفي بذلك، بل يذكر أن من نعمن الله عليه انشراح صدره، ومطاوعة نفسه في محبة ستر عدوه وكراهته لكشفها مع أن الغالب على الناس إظهار الشماتة بالعدو، وإظهار عورته.

21

وهذا الأدب دعا إليه الشعراني في جميع مؤلفاته، وهو يرى العصاة من أصحاب الجدود العوائر، وينظر إليهم بعين العطف والإشفاق، ويترفق في هدايتهم إلى الله، وهذا من أخلاق الأنبياء.

22

والذي يلفت النظر في هذا الموطن هو التغاضي عن عيوب الأعداء؛ لأنه يفرض قوة عظيمة في ضبط النفس، فهو من أخلاق الأقوياء من الرجال، وفي أصدقائي رجل ابتلاه الله بلؤم الحاقدين، وامتحنه بكيد السفهاء، ومع ذلك لا أذكر أن لسانه أو قلمه خاض في عرض أحد ممن يتقولون عليه الأقاويل، وقد يتفق له في أحيان كثيرة أن يحارب خصومه أعنف الحرب، ولكنه لا يحاربهم إلا في العلانية، ولا يتعرض أبدا لمقاتلهم الأخلاقية. وإنما يثير في وجوههم الدخان فيتوهم من لا يعرف أنه يقذفهم بالنار، مع أنه يصرف الناس عامدا عن دخائلهم الأثيمة، ويشغل الجمهور عن مساويهم بأمور صغيرة هي الكلام عن العلم والجهل. وأعداء هذا الرجل يعرفون فيه ذلك الخلق ويفهمون أن زوال الجبل من مكانه أقرب إلى الإمكان من خوض قلمه أو لسانه في الأعراض. ولذلك يهجمون عليه مستسلين، وهو لو شاء لزلزل بهم الأرض، ولكن نعمة الله عليه في هذا الأدب أحب إليه من قهر الأعداء.

شواهد من أخلاقه العالية

ومما يجب النص عليه من أحوال الشعراني أنه كان يعتقد أن الخير في مصر ينتهي بانتصاف القرن العاشر، ثم تصبح دنيا المصريين مسبعة لا أمن فيها، ولا سلام، وانظر ما يقول في البحر المورود:

23

أخذ علينا العهد أن لا نتصدر للشفاعة في الناس عند الحكام إذا دخل النصف الثاني من القرن العاشر، إلا إن كانت عندنا حال وتصريف في الحكام بالولاية والعزل، فإن من لا كشف عنده ربما أغلظ على الحاكم فقال له الحاكم: إن كنت صالحا فانفحني فلا يقدر على نفحه فيفتضح عند الحاكم، وسمعت سيدي عليا الخواص يقول: كان عند الحكام بقية خوف من الله تعالى يمتنعون به عن ظلم العباد فرفع الله ذلك خامس عشر صفر سنة ثمان وثلاثين وتسع مئة. قال: وعن قريب يصير حاشية الحاكم يأخذون من الإنسان الجعالة ولا يقضون له حاجة، ويطلب فلوسه مثلا فلا يصل إليها، والله غفور رحيم.

والخواص الذي نقل الشعراني عنه أن الحياء ذهب من الحكام في الخامس عشر من صفر سنة ثمان وثلاثين وتسع مئة هو نفسه الذي قال:

كان قد بقي في الناس بعض سترة لبعضهم بعضا فرفع الله تعالى حكمها في سنة سبع وأربعين وتسع مئة وما بقي أحد يقدر على كشف عورة أخيه ويسترها إلا قليل من الناس، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

24

ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك .

وقد طاف حول هذه المسألة في كتاب آخر هو لواقح الأنوار، فذكر مرة أنه لم يبق في مصر من يصلح للأستاذية في الطريق؛ لأن الأشياخ فقدوا وكان آخرهم علي المرصفي،

25

وذكر مرة ثانية أنه أدرك طريق الفقراء، ولها حرمة عند الناس، وعلى أصحابها الخير والهيبة، فرفع الله تعالى ذلك بموت السادة: علي المرصفي وعلى الخواص ومحمد الشناوي.

26

ويظهر أن الشعراني لم يكفه أن يذهب الخير من مصر بانتصاف القرن العاشر، بل ترقى في سوء الظن فحكم بأنه أخذ يذهب من الدنيا منذ انقضى الثلث الأول من القرن السادس، وقال في ذلك:

أخذ علينا العهد العام من رسول الله أن لا نتمنى الموت إلا إن خفنا على أنفسنا من فتنة في ديننا في هذا الزمان الذي يرى الإنسان دينه في كل يوم ينقص عن اليوم الذي قبله، وهذا الأمر قد وقع من حين انتهى كمال الدين، وهو سنة سبع وثلاثين وخمس مئة، كما رأيت ذلك في لوح نزل من السماء في واقعة في المنام ، وقد أخذت الأمور كلها يا أخي في النقص، وصار دين المؤمن ينقص كل يوم عن الحال الذي قبله، وصار يتصعب على الإنسان القبض على دينه كما يتصعب عليه القبض على جمرة في كفه ليلا ونهارا، فكما ضعف عن دوام القبض على الجمرة كذلك ضعف عن دوام القبض على الدين على حد سواء، فلا يموت الإنسان يوم يموت إلا على أنقص الأحوال. وأول أخذ الدين في النقص من سنة سبع وخمسمئة حين بلغ أهل العلم حدهم، وأهل الطريق حدهم. هذا ما رأيته مكتوبا في لوح تجاه مدرسة الشيخ إبراهيم المواهبي الشاذلي بباب الخرق

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٢٥