التصوف من سمات الضعف
وخلاصة القول أن الشعراني وأصحابه وجدوا في مصر تربة خصبة فأنبتوا فيها ما شاءوا من صنوف الخيال، وكان شيوع الشعوذة الصوفية في هذه البلاد يسير جنبا لجنب مع ما اصطفاه نصارى مصر من النحلة الأرثوذوكسية، فإن اصطفاء نصارى مصر للمذهب الأرثوذوكسي لم يقع إلا بفضل ما هم عليه من الضعف؛ لأنه مذهب مشبع بالخرافات، والخرافات هي السند لكل مخلوق ضعيف.
والذي يتأمل أحوال مصر في العشرين سنة الماضية يؤكد صدق ما أقول في أيام الحرب العالمية كان لمشايخ الطرق سلطان عظيم؛ لأن الناس كانوا يئسوا من المجد السياسي، فلما هبت الثورة المصرية في سنة 1919 شغل الجمهور بشاغل جديد، وانقطع الخلاف بين الشاذلية والخلوتية، وحل محله الخلاف بين السعديين والوطنيين والدستوريين.
ولأمر ما كان التصوف يسمى الفقر، وكان الصوفية يسمون الفقراء، أترونني بهذا أغض من تلك النزعة الروحية؟
هيهات، وإنما أردها إلى أصل صحيح من ضمائر الناس.
ألم تسمعوا أن أحد الرؤساء هدد مرءوسه فقال: إن لم تستقم أقمتك من غد في الصف الأول؟
والصف الأول هو صف المبكرين إلى الصلاة: صف من يسبقون الإمام إلى رؤية المحراب!
ولا يعرف الناس لزوم المحاريب إلا بعد أن تخلو أيديهم من أدوات الحرب في سبيل المجد أو في سبيل المعاش.
مالي ولهذا الاستطراد؟ يكفي أن أسجل أن القاهرة لم تمتلئ بالزوايا ولم يكن للشعراني فيها حظ مرموق إلا لأن أهلها كانوا غلبوا على أمورهم الدنيوية، فمضوا يلتمسون الأسباب إلى فتح أبواب السماء.
وما كان الشعراني بالأحمق، وكيف وهو الذي أحصيت عليه أنه قال في مؤلفاته أكثر من خمسين مرة: «العاقل من عرف زمانه ».
إي والله، فقد عرف الرجل زمانه فساس أهله بما ينبغي أن يساسوا به فلم يمت إلا وهو (القطب الرباني، والمحقق الصمداني)، وذلك متاع ليس بالقليل.
دهاء الصوفية
أترانا نتجنى على الشعراني حين نصفه بالترفق في مداراة الناس ليظفر بالسمعة وبعد الصيت؟
انظر في مقدمة «اليواقيت والجواهر» ومقدمة «البحر المورود»، فإن فعلت فستعرف أنه كان يحرص أشد الحرص على الظفر بالزعامة في التصوف والدين، أي أنه كا يريد أن يكون مرضيا عنه من أهل الحقيقة وأنصار الشريعة، وإلى هاتين الجبهتين كانت ترجع أصول الصدارة بين الناس.
كان الشعراني يؤلف الكتاب في التصوف ثم يمضي إلى العلماء فيستكتبهم بالقبول ليصح له القول بأن كتبه ليس فيها ما يخالف الشرع، وكان الناس يعرفون عنه ذلك فيعمدون إلى كتبه فيضيفون إليها زيادات تدخله في الحظيرة الخطرة: حظيرة الصوفية المتفلسفين الذين يتطلعون إلى الخروج على المألوف من مقبول الآراء.
17
حرص الشعراني على رضا جميع الطبقات
ولكن مهلا - فهذا الرجل الذي نضيفه إلى أصحاب المطامع كان من نوادر الرجال في كرم الأخلاق، وفي كتبه صحائف تكتب بماء الذهب، ولو شئت لقلت بمداد من دماء القلوب، فقد حدثنا هذا الرجل - وهو صادق - أنه كان يزجر من يراه من أصحابه يتجسس على عيوب الناس
18
وهذا أدب نبيل.
وحدثنا - وهو صادق - أن من منن الله عليه كثرة ستره لعورات المسلمين الذين لم يتجاهروا بالمعاصي، وأنه يرى ذلك من جملة الواجبات. وهو الذي يقول:
إن من جلة سترنا للمسلم أن نغلق عليه بابه إذا رأيناه خارجا وهو سكران، ونأمر الأجنبية التي معه في الخلوة المحرمة أن تنزل من حائط الجار إن خفنا أن أحدا ينظرها إذا خرجت من المحل الذي هي فيه. كل ذلك حتى لا يعلم أحد بعصيان ذلك الرجل، لا سيما إن كان جارا لنا. وكم يترتب على كشف السوءات مفسدة، فإياك يا أخي أن تفشي سر أخيك المسلم ولو لأعز أصدقائك، فإنه يحكي ذلك لكل الناس إن كان ساذجا، وإن كان حاذقا فيحكي ذلك لبعض الناس ويأمرهم بالكتمان؛ فيصير كل واحد يخبر صاحبه ويأمره بالكتمان حتى تمتلئ البلد