تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

14

ويظهر من النقول المبثوثة في كتب الشعراني أن الصوفية المصريين لعهده كانوا جميعا يقولون بالكرامات، ويظهر كذلك أنه كان في مصر لذلك العهد طوائف من الفقهاء تنكر الكرامات: لأنه شغل نفسه بمحاجة من ينكرون ما اختص به الأولياء.

والتعليل نفسه يدل على سذاجة عقلية: فهو ينقل عن أستاذه محمد المرصفي أن الأولياء يتفق لهم أن يقضوا في يوم واحد ما لا يمكن قضاؤه إلا في سنين؛ لأن أعمار هذه الأمة قصيرة فأقدر الله الخواص على إنجاز الأعمال بسرعة البرق ليرجحوا على عباد الأمم السابقة الذين عاشوا نحو الخمس مئة سنة.

14

وليس يعنينا أن نناقش صحة الكرامات: لأننا لم نصل في فهمها إلى حكم مقبول. وإنما يعنينا أن نسجل أن الشعراني كان يرى الشخصية الخلقية شخصية لا يؤذيها أن تعق العقل، ولا يضيرها أن تسوء الظواهر في بعض الأحوال. وما كتبه عن الخواص يشهد بأنه كان يؤمن بالكرامات إيمان المجاذيب،

15

وما كتبه عن نفسه يدل على حمق؛ فقد حدث أنه سمع تسبيح الجمادات والحيوانات، وسمع من يتكلم في أطراف مصر، بل في سائر أقاليم الأرض، وسمع تسبيح السمك في البحر المحيط.

16

ويهمنا أيضا أن نسجل أثر الشعراني وأمثاله في تلوين العقلية المصرية، فقد انطبع هذا الشعب على الإيمان بكل مجهول. وقد رأيت من كبار العلماء من يدافع عن الكرامات في دروسه بالأزهر الشريف، وللشيخ الدجوي في ذلك مباحث طوال . ورجاني أحد الأدباء الممتازين أن أكتب فصلا في هذا الكتاب أشرح به وجه الحق في الكرامات. ورأيت رجلا من أهل الفضل يتحدث عن القطب وكرامات الأقطاب، وما أحسبه كان من المازحين. ومنذ أيام تلقيت رسالة من أحد قراء البلاغ حدثني كاتبها عن رجل من علماء الأزهر أنه رأى النبي في المنام، وأن النبي قضى بأن يكون إمام الأولياء.

وما ادعى أن الاعتقاد في الكرامات خاص بأهل مصر: فقد عقد لها الغزالي بابا في الإحياء. وإنما أحكم بأن الشعراني كان أكبر من غرسوا هذه العقيدة في البيئات المصرية، وإليه يرجع الفضل في توجيه الناس إلى ما في الكرامات من حدائق الخيال!

والاعتقاد في الكرامات عزاء كبير للفقراء؛ فهم يخلقون لأنفسهم دنيا من المجد الموهوم يعوضون بها ما ضاع عليهم من حظوظ الحياة. ومن المؤكد أن هذه الوساوس لا تسود إلا في عصور الضعف السياسي والاقتصادي حين تصح الأمة وهي فارغة الأيدي من سلطان الجاه والمال. ومن ذلك رأينا المسلمين في عصور قوتهم لا يعرفون غير الواقع، مع أن الصلاح كان من أغلب الصفات عليهم، ثم رأيناهم في عصور الانحطاط يصدقون كل شيء ويلقون زمامهم إلى كل مخلوق، عساهم ينسون ما هم فيه من شظف العيش ونكد الشقاء.

انطباع الشعب المصري على الإيمان بكل مجهول

والتصوف نفسه من مظاهر الضعف، والرجل لا يتصوف إلا حين ييأس؛ لأنه بفطرته حيوان مفترس لا ينتظر المجهول من حظوظ النفس، وإنما يصاول ويفتك ليظفر بحظوظ الأمراء والملوك.

وقد جاء في كليلة ودمنة أن ذا المروءة لا ينبغي له إلا إحدى اثنتين: أن يكون بين الملوك مكرما، أو بين النساك متبتلا. وهذه الكلمة هي الفيصل؛ فالرجل يطلب المنزلة العالية في جميع الأحوال، فإن فاتته بين الملوك لم تفته بين النساك. ومعنى ذلك أن التعبد نفسه لا يخلو من كبرياء.

وقد استطاع الصوفية بدهائهم المصقول وكبريائهم المكبوت أن يجعلوا كلمة الحرمان هي العليا؛ فما زالوا يغمزون أهل الدنيا ويلمزونهم ويسوئون سمعتهم ويرمونهم بالبهتان حتى صح عند السواد أن الفقراء هم الملوك حقا، وأن الملوك المتوجين لا يملكون غير «الدنيا» وهي متاع المفتونين!

والذي يراجع سير الأنبياء يرى الفقراء كانوا أسرع الناس إلى إجابة الدعوة

ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا

وإنما كان ذلك لأن الأنبياء يعدون أتباعهم السلطان المطلق في عالم السماء. والفقراء بفطرتهم الحيوانية يتشوفون إلى السيطرة، فإن فاتتهم هنا أدركوها هناك.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٢٣