وبجانب اطمئنان الشعراني على أخبار بيته كان له جانب آخر من الطمأنينة هو الأنس بمودة أخيه أفضل الدين؛ فقد كان أخوه هذا من أهل الصلاح، وكان به حفيا، فهو يذكره في مناسبات كثيرة بلسان رطب، ويضفي عليه حلل الثناء.
9
ويظهر أيضا من حديثه أنه كان راضيا عن أصدقائه، فهو يطوف بأخبارهم من حين إلى حين، ويتحدث عنهم حديث الفرح الجذلان.
ويضاف إلى ذلك كله رضاه عن نفسه، فقد كان يرى مسلكه في دنياه من أشرف المسالك، ولذلك نراه يكثر من الحديث عن «منن» الله عليه كأن يقول: «عرضوا علي نحو أربعة آلاف دينار أوصى بها لي قاضي إسكندرية فرددتها احتياطا لنفسي من أكل مال القضاء والشبهات التي لم تقسم لي وخوفا عليها من ميلها إلى جمع مال الدنيا، فالحمد لله على ذلك»، وكأن يقول في مقدمة كتابه تنبيه المغترين: «شيدت أخلاقه بأفعال السلف الصالح من الصحابة والتابعين، والعلماء العاملين، وبما من الله علي بالتخلق به أوائل دخولي في طريق محبة القوم، خوفا أن يقول بعض المتعنتين: كيف يأمرنا فلان بالتخلق بأخلاق القوم، وهو لم يقدر على هذه الأخلاق؟ فلذلك صرحت بكثير من الأخلاق التي من الله بها علي دون أقراني»، وكذلك قال في مقدمة كتاب لطائف المنن، وهو كتاب مملوء بالزهو والخيلاء، وكله شواهد بأن الشعراني كان عند نفسه أفضل الناس.
وهذا الرضا المطلق عن النفس والأهل يفسر لنا جانبا مهما من شخصية الشعراني، فهو سر ما اتصف به من الجرأة في نقد ما رآه من الزيغ والانحراف في أخلاق معاصريه. والرجل حين يخلص من آفات نفسه يفرغ للناس، وكذلك كان الشعراني قوى الجنان، وهو يحارب طغيان الولاة وإسفاف العلماء.
والرضا عن النفس ليس من الشمائل المقبولة عند الصوفية، ولكن هذه خصيصة من خصائص النفس الشعرانية، ونحن ننص عليها من أجل ذلك، فما نملك خلق النفوس من جديد لنسلكها في سمط واحد، وإنما نسجل ما عرفناه من ألوان النفوس.
وربما كان من العدل أن نقيد هذا المنزع من الخيلاء، فالشعراني كان يستبيح الحديث عن فضائل النفس حين تخلص النية، وحين يكون لذلك غرض مقبول، كالتأثير على المريدين، وجذبهم إلى الاعتقاد في شيخهم ليقبلوا على تعاليمه بنفوس معمورة بالحب والإجلال.
10
اعتقاده في الكرامات
وكما حدثنا الشعراني عن أهله وعن نفسه حدثنا كذلك عن عقيلته فهو رجل يؤمن بالكرامات إيمانا مطلقا، ويرى الأولياء يقدرون على كل شيء. وليس من المستبعد عنده أن يعرف الولي أخبار البيوت، ومن الممكن في رأيه أن يبيع الرجل الحشيش وهو في حقيقة أمره من الأولياء، ويجوز في تصوره أن ينقل الرجل من مكة إلى مصر في مثل لمح البصر إذا دفعه أحد الواصلين. وحدثنا أن أستاذه الخواص كان يرسل أصحاب الحوائج إلى رجل كان يبيع الفجل على باب الأزهر فيقضيها لهم في الحال، وأن هذا الرجل كان لا يأكل أحد من فجله وببدنه مرض من جذام أو برص، أو غيرهما إلا شفي لساعته، وحدث عن الشوني أن أحد الحمارين في قنطرة الموسكي كان معروف البركة فلا تركب حماره مومس إلا تابت، ولا تعود للزنا أبدا، وأن أحد باعة الحشيش كان لا يشتري أحد منه قطعة إلا تاب عن الحشيش،
11
وحدثنا أنه اجتمع بإبليس على ساحل النيل وجادله، وسمع منه أن الإنسان ككفتي الميزان، وقلبه كلسان الميزان.
12
ومؤلفات الشعراني تفيض بالأقاصيص عما صنع المجاذيب، ولهذا الجانب أهمية في فهمه لقواعد الأخلاق، فالشخصية الخلقية في نظر الشعراني هي شخصية تصدق كل شيء، وإن أحالته العقول، ما لم يعارض النصوص الشرعية، فمن حدثنا أنه قرأ القرآن كله خمس مرات من المغرب إلى العشاء فهو صادق، ومن حدثنا أنه قرأ القرآن كله بالحروف
13
ثلاث مئة ألف مرة في يوم وليلة فهو صادق؛ لأنه «إذا تجردت الروح عن هذا الجسم الكثيف فعلت ذلك».