تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد التأمل رأينا أن ندرس إحدى الشخصيات المصرية التي أثرت أبلغ التأثير في ذيوع الثقافة الصوفية بين المصريي، فرأينا الشعراني أكبر شخصية أثرت في الأذواق المصرية، وسيطرت على الجماهير زمنا غير قليل.

وقد يكون من أسباب ميلي إلى درس هذه الشخصية أن الشعراني عرف سنتريس - وفي ألفاظه وتعابيره أخيلة لا تزال حية في سنتريس - فقد نشأ في ساقية أبي شعرة وهي بلدة تجاور بلدنا ولنا فيها أقارب وأصدقاء. ومن أجل نشأته في ساقية أبي شعرة سمي الشعراني، وهو عند نفسه يسمى الشعراوي، وهو اسم كثير الذيوع في البلاد المصرية كان يسمى به الناس أبناءهم تيمنا بذلك الإمام الجليل.

ويظهر أن شخصية الشعراني غرست في ساقية أبي شعرة حب التصوف فلا تزال عامرة بذكريات الأولياء، ولا يزال أهلها يقيمون الموالد وينشرون آداب الطريق، وقد بلغ بهم الأمر أن اخترعوا شخصية جديدة هي شخصية الشيخ خالد، وقد زعموا أنه خالد بن الوليد، فجذبوا به الناس إلى بلدهم عددا من السنين.

وفي ساقية أبي شعرة ضريح لرجل من الصالحين اسمه الشعراوي، وهم يؤكدون أنه والد عبد الوهاب الشعراوي الذي نكتب عنه هذا الفصل

1

وهو كلام لا نعرف مبلغه من الصواب.

زوجته وأخوه

ولد الشعراني في قلقشندة في بيت جده لأمه سنة 898 وبعد أربعين يوما من مولده انتقل إلى بلدة أبيه ساقية أبي شعرة فنشأ بها وأقام فيها إلى الثانية عشرة، وظل موصول العهد بالبلد الذي نشأن فيه لأنا نراه يكثر من التحدث عن أولياء المنوفية

2

ثم انتقل إلى القاهرة فتلقى العلم على كبار الشيوخ في عصره، ثم ارتفع شأنه فصار شيخ زاوية، وكان هذا المنصب من المناصب المرموقة في ذلك الحين،

3

وأقبل على التأليف فترك ثروة فقهية وصوفية لم يترك مثلها من العلماء إلا الأقلون.

ولسنا في حاجة إلى ترجمة الشعراني فكتبه هي ترجمة نفسه لأنه يتحدث عن أحواله وأعماله في جميع المناسبات حتى أخبار بيته وأهله يراها القارئ في كتبه مفصلة أتم تفصيل.

4

والذي يتذكر أن العرب والمسلمين قلما يتحدثون عن نسائهم في الأشعار

5

والمصنفات يدهش حين يرى الشعراني يقول: وما رأت عيني من نساء عصري أكثر مواظبة على قيام الليل من زوجتي أم عبد الرحمن فربما صلت خلفي وهي حبلى على وجه الولادة بنصف القرآن، وهذا عزيز جدا

6

أو يقول: وأما أم ولدي عبد الرحمن رضي الله عنها فلها الآن معي تسع عشرة سنة فما رأيتها قط وهي تقضي حاجتها في خلاء البيت إلى وقتي هذا

7

أو يقول: وممن اطلعت عليها من النساء تخاف على رؤية شخصها وهي في الإزار وتستحي أن يراها أحد، وهي خارجة من الخلاء زوجتي فاطمة أم عبد الرحمن رضي الله عنها. سافرت بها إلى الحجاز ثلاث مرات، فما أظن أن العكام رأى لها حجما قط من حين خرجت من بيتها إلى أن دخلت مكة المشرفة ثم رجعت إلى بيتها، وكانت تركب في مثل العقبات فوق ظهر القتب داخل الحمل المغطى، ونزل نساء الأكابر كلهم في نزول العقبة وطلوعها، وهي لم تنزل وما شعرت قط بقضاء حاجتها، لا في المحطات ولا في حال السير رضي الله عنها، ولم تركب قط حمارا، وقالت: لا أستطيع أن يراني أحد، حتى الكحال عجزت فيها أنه يرى عينيها فلم أقدر عليها. ورضيت بالوجع وصبرت حتى زال الرمد وضاف ميق عينها اليسرى عن العين اليمنى إلى الآن، فهذا أمر رأيته منها، ولم يبلغني وقوع ذلك لأحد من عيال إخواننا. فالحمد لله رب العالمين على ذلك.

8

وهذه الفقرات تدل على أمرين: الأول: أنه كان سعيدا في حياته المنزلية، ولذلك أثر في فهمه لقواعد الأخلاق، والثاني: أنه كان يتمثل الكمال الخلقي في المرأة على وجه لا يخلو من تعسف، بدليل أنه رأى من موجبات الحمد أن ترحب زوجته بألم الرمد في سبيل التحرز من رؤية الكحال، أي طبيب العيون.

رضاه عن نفسه

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٢١