تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألية ما فتح العطار عن

أعبق منها نفسا وأطيبا

سل من يدل الناشدين بالغضا

على الطريد ويرد السلبا

أراجع لي - والمنى تعلة -

وطالع نجم زمان غربا

وطوقة بين القباب بمنى

لا خائفا عينا ولا مرتقبا

ثم قال: «السماع الروحاني للعارف في ذلك: من ناظر لي بين المقامات المحمدية كيف لمع برق المعرفة، أم كيف خبا مطويا في غيم الكون، أيقظني لمعانه على أن عيني ما نامت عنه، ولكن كان العقل منصرفا إلى عالم التدبير فرده إلى العالم المدبر، فسكنت له همم القلوب بعد طيرانها خضعا كسلسلة على صفوان ، واستبردت برد السرور ما كان حاميا بنور التنزلات الإلهية، فلما لاح له المعين من خلق خلقة الرصد مثال النور المنزل ليقبله منه عرفه بالحفظ الإلهي فقال: يوهمني الصدق بريق كذب. ثم رجع ينادي أيضا بالبعد من عالم الأنفاس في البرزخ المشترك بين النور والظلمة دل عليه وعلى عصر شبابه ريح الصبا وشروق نفس التنفس من نفس الرحمن بما هو أطيب من المسك عرفا ونشرا، ثم قال: سل من يدل الناشدين قلوبهم بمقام الاشتياق على الطريق عن البناء الأعز، ويرد قلبا أخذ منه على غرة، ثم قال: أراجع لي ذلك السلب، والمنى قد تكون أماني، وهل يطلع نجم سعد غرب؟ أي صار في الحجاب. وهل أراني طائفا مترددا بين القباب الساترة شموسا لا خائفا بقول: لم؟ ولا مترقبا وعد حصول الاتصال وانتظام الشمل بالأحباب».

19

وهذا الكلام على ركاكته واضح المدلول، فهو يعني أن الصوفية قد يتغنون بأشعار حسية، ولكنهم ينقلونها إلى آفاق روحانية.

وما احتاج ابن عربي إلى هذا الشرح إلا لأنه كان مشغوفا بتقعيد التصوف، أي إقامته على قواعد وأصول.

وكان الأفضل أن يترك هذه المعاني بلا شرح، فللأرواح آفاق أوسع وأرحب مما يظن، والصوفي الموصول القلب والروح بعالم المعاني قد يفهم من الغناء أشياء لا يصل إليها شرح ولا تفسير ولا تأويل.

وشعراء الحواس أنفسهم لا تفتنهم «ليلى» من حيث هي امرأة، وإنما يتمثلون بها معاني كثيرة جدا، منها الهجر والوصل والعذاب والنعيم.

والصوفي يعجز حقا وصدقا عن شرح أسباب هيامه حين يسمع الغناء، ومثله مثل الموسيقار الحساس الذي يطرب من حيث لا يعرف بالضبط كيف طرب.

والصوفي الحق لا ينكر المحسوسات، فهو قد يحب «ليلى» الحقيقية بجانب «ليلى» المجازية؛ لأن ليلى الحقيقية سطر جميل في لوح الوجود.

الصوفي الحق لا يحتاج إلى التبرؤ من جميع المحسوسات كما يتبرأ أمثال ابن عربي؛ لأن المحسوسات هي التصوير للمعقولات، وهي المفتاح الذي تدخل به فردوس المعاني.

الصوفي الحق يرتاح لكل قول، ولكل صوت، ولكل منظر، ولكل مخبر، وهذه المرئيات ليست من الأوهام، وإنما هي شواهد تشير إلى حقائق، كما تشير الألفاظ إلى المعاني.

الصوفي الحق يعذر جميع المضللين وجميع المفتونين؛ لأنهم في رأيه من السالكين وإن جهلوا الطريق.

الصوفي الحق يطرب لكل شيء، ويأنس بكل شيء، ويتغافل عن الشروح؛ لأنها تفسد النفحات الوجدانية التي تأخذ عبيرها من الإبهام والغموض.

الصوفي الحق لا يعرف ماذا يريد، وهل كان مجنون ليلى يعرف بالضبط ماذا يريد؟

الصوفي الحق يرتاح إلى الحيرة كما يرتاح الجاهلون إلى اليقين. •••

اللهم ضللني في هواك، واجعلني وحدي أسير الضلال في هواك، فبفضلك ورحمتك ذاق العارفون طعم الضلال.

وهل كانت الهداية الصريحة إلا نصيب الأغبياء!

| الآداب الصوفية عند الشعراني

مولد الشعراني ونشأته

رأينا من الخير أن ندرس بعض الشخصيات الصوفية التي اهتمت بنشر محاسن الأخلاق، فبدا لنا أن نكتب فصلا عن الغزالي، ثم تذكرنا أننا نشرنا عنه كتابا في أكثر من أربع مئة صفحة هو «الأخلاق عند الغزالي» الذي قدمناه إلى الجامعة المصرية في سنة 1924 وتذكرنا أيضا أن مؤلفات الغزالي كانت من أهم مراجع هذا الكتاب، فنحن ما نسيناه حتى نفرده ببحث خاص.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٢٠