وكان الشيخ الحويحي ريحانة عصره، فلما انتقل إلى جوار ربه تعطلت تلك الحضرة، فما استطاع منشد آخر أن يجذب القلوب إلى ذلك المكان.
14
مجالس الصوفية تنقلب أحيانا إلى مجالس فنية
وكانت مجالس الذكر مدرسة لتخريج المغنين ففيها ظهرت تباشير النبوغ للمرحومين عبده الحامولي، ومحمد عثمان، وسلامة حجازي، ويوسف المنيلاوي، وسيد درويش. وفي القرى المصرية مئات من قراء الموالد هم في الأصل من أتباع الصوفية.
أثر الغناء في الأدب
واهتمام الصوفية بالغناء عاد على الأدب بكثير من النفع؛ فهناك مجموعات شعرية وضعت لحفظ الأناشيد الصوفية، منها سفينة النجاة، وهي مجموعة صنفت منذ عشرين عاما صنفها الأديب محمود نسيم، وقد عاونته على ترتيبها يوم كنت موصول العهد بالسادة الشاذلية.
وقد انتقل فريق من تلك الأناشيد إلى الأغاني الحسية، أغاني المرح والطرب في عالم الحس الذي يتاخم عالم الروح. ومنذ ليال كان صالح عبد الحي يغني في قاعة المذياع:
إن شكوت الهوى فما أنت منا
احمل الصد والجفا يا معنى
وهي قصيدة صوفية يتلقاها أكثر الناس بالقبول، وهي في أنفسهم صورة من الوجد الحسي المشبوب.
وأكثر الأغاني الصوفية رمزيات وفيها ما يفصح عن أغراضهم كالذي نراه في هذه الحائية:
أبدا تحن إليكم الأرواح
ووصالكم ريحانها والراح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم
وإلى لذيذ لقائكم ترتاح
وا رحمتا للعاشقين تكلفوا
ستر المحبة والهوى فضاح
بالسر إن باحوا تباح دماؤهم
وكذا دماء البائحين تباح
يا صاح ليس على المحب ملامة
إن لاح في أفق الوصال صباح
سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها
لما دروا أن السماح رباح
ودعاهم داعي الحقائق دعوة
فغدوا بها مستأنسين وراحوا
ركبوا على سنن الوفا، ودموعهم
بحر، وحادي شوقهم ملاح
والله ما طلبوا الوقوف ببابه
حتى دعوا وأتاهم المفتاح
لا يطربون لغير ذكر حبيبهم
أبدا فكل زمانهم أفراح
حضروا فغابوا عن شهود ذواتهم
وتهتكوا لما رأوه وصاحوا
أفناهم عنهم وقد كشفت لهم
حجب البقا فتلاشت الأرواح
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم
إن التشبه بالكرام فلاح
15
بين الرمز والإفصاح
وفي الصوفية من اهتم بتحديد المعاني المنقولة من الحسيات إلى الذوقيات، فقد حدث ابن عربي أن من سماعهم قول ابن حيوس:
أسكان نعمان الأراك تيقنوا
بأنكم في ربع قلبي سكان
ودوموا على حفظ الوداد فطالما
بليت بأقوام إذا استحفظوا خانوا
سلوا الليل عني مذ تناءت دياركم
هل اكتحلت بالنوم لي فيه أجفان
ثم قال: «السماع الروحاني في ذلك: سكان نعمان الأراك هم العارفون في نعيم حضرة المشاهدة ومحلها قلوبهم. يقول لطيفته الربانية لهذه الهمم: داوموا فإني دفعت إلى نفوس أخذ عليها العهد الإلهي في الميثاق الأول فخانوا، ثم أخذ يصف نفسه بالقيومية تخلقا إلهيا، أي على قدر التجرد من عالم التركيب الذي هو محل النوم إلى العالم الأنزه الأقدس الذي لا نوم فيه ميراثا نبويا من أنه لا ينام قلبه
صلى الله عليه وسلم ، ثم أخذ يخاطب الهمم أن لمعان سيوفها إذا برقت من منازلها منازل الأحبة فغمد هاتيك السيوف أجفاني، أي لا أنام، يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار».
16
وهذه العبارة فيها حيرة، حيرة ابن عربي بين مقام الله ومقام الرسول، وسبب ذلك يرجع إلى قوله بالحقيقة المحمدية، فالنبي مألوه من جانب وإله من جانب، فهو رب ومربوب، هو رب حين تراه صاحب الفضل على جميع الموجودات، وهو مربوب حين تتصور تبعيته لواجب الوجود، وقد فصلنا هذه القضية في الجزء الأول تمام التفصيل.
ثم حدثنا أن من سماع الصوفية قول مهيار:
من ناظر لي بين سلع وقبا
17
كيف أضاء البرق أم كيف خبا
نبهني وميضه ولم تنم
عيني ولكن رد قلبا عزبا
برق له قد صار قلبي خافقا
18
واستبردته أضلعي ملتهبا
يالبعيد من منى دنا به - يوهمني الصدق - بريق كذبا
ولنسيم سحر بحاجر
ردت به عهد الصبا ريح الصبا