تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53

إيثار المسيح والرهبان لزي الصوفية

وهذا النص صريح في إيثار المسيح للبس الصوف.

وقال ابن سيرين: كان عيسى عليه السلام يلبس الصوف ونبينا يلبس الكتان، وهو أحب إلينا أن نقتدي به.

54

وكانت المسوح - وهي ثياب الرهبان - مما يحمد لبسه في الجاهلية، و«كان أمية بن أبي الصلت قد نظر في الكتب وقرأها، وليس المسوح تعبدا»،

55

وكان عيسى عليه السلام يقول: يا بني إسرائيل! ما لكم تأتونني وعليكم ثياب الرهبان وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري، البسوا لباس الملوك، وألينوا قلوبكم بالخشية،

56

فهو يعرف الثياب، ولكنه ينكر القلوب.

ولعله لأجل هذا - أي: نسبة الصوف إلى الرهبان - كان من زهاد المسلمين من يرى لبس الصوف بدعة، فقد قال سفيان الثوري لرجل عليه صوف: لباسك هذا بدعة،

57

والجاحظ يحدثنا أن النصراني يلبس الصوف حين يتنسك

58

وفي رسائل إخوان الصفا أن راهبا قدم في ثوب من صوف.

59

احترام كلمة راهب في الأدب القديم

والواقع أن كلمة «راهب» كان يلحظ فيها شيء من المعاني التعليمية، وقد قال الرشيد:

كان أبو العباس عيسى بن علي راهبنا وعالمنا أهل البيت.

60

وكان في كلمة «القس» معنى الخشوع، ومنه عبد الرحمن القس الذي لقب بذلك لورعه، وهو الذي عشق سلامة المغنية

61

التي سميت سلامة القس، وكان صوفيا أضرعه الحب فقال:

قد كنت أعذل في السفاهة أهلها

فاعجب لما تأتي به الأيام

فاليوم أعذرهم وأعلم أنما

سبل الضلالة والهدى أقسام

وهذا لا ينافي نهي الرسول عن الرهبانية والتبتل، فقد كان عيسى في ثيابه وشمائله مضرب المثل في الزهد، وكان المسلمون يتقصون أخباره وأخبار أصحابه، ولا ينكرون على بعضهم غير الرياء.

ولم يكن المسلمون في الصدر الأول ينظرون إلى النصرانية كما نظروا إليها فيما بعد، وكما ينظرون اليوم؛ لأن المودة بين الديانتين كان لها وجود، وكان النبي أثنى على القسيسين والرهبان وفقا لكلمة القرآن المجيد

لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين .

62

وهذا خليق بأن يمنح الرهبان شيئا من الجاذبية، وأن يحبب إلى الزهاد الاقتداء بهم في لبس الصوف.

نقض الرأي القائل بنسبة الصوفي إلى الصفاء أو نسبته إلى (سوفيا) من اللغة اليونانية

أقول هذا ولا أجزم بأن في لبس الصوف رجعة إلى التقاليد المسيحية، ولكن القارئ عرف أن النبي محمدا كان يستحب لبس الصوف تواضعا، وأن النبي عيسى كان يستحب لبسه كذلك تواضعا، وأن الرهبان في المسيحية والزهاد في الإسلام كان يستحبون لبس الصوف، وفي مجموع ما أسلفنا من الشواهد مقنع لمن يرتاب في نسبة الصوفي إلى الصوف.

يضاف إلى ذلك ما روي من أن كلمة «صوفي» وردت في كلام منسوب إلى الحسن البصري وهو من التابعين فقد قال: رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئا فلم يأخذ وقال: معي أربعة دوانق يكفيني ما معي،

63

ويشبه هذا قول سفيان: لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقائق الرياء،

64

ويؤيد هذا وذاك ما جاء في كلام بعض المؤلفين من أن مكة كانت خلت قبل الإسلام في وقت من الأوقات حتى كان لا يطوف بالبيت أحد وكان يجيء من بلد بعيد رجل صوفي فيطوف بالبيت ثم ينصرف

65

فاللفظة على ذلك قديمة، وقدمها يرجح نسبتها إلى من استحبوا الصوف من الأنبياء.

والفرض الثالث نسبتها إلى الصفاء، وليس هذا الفرض إلا حذلقة من بعض الصوفية الذين عبر أبو الفتح البستي عن غرورهم حين قال:

تنازع الناس في الصوفي واختلفوا

فيه وظنوه مشتقا من الصوف

ولست أنحل هذا الاسم غير فتي

صافى فصوفي حتى لقب الصوفي

وقد سخر منهم أبو العلاء فقال:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢١