10
وأما أبو حنيفة فكان يجعل سماع الغناء من الذنوب.
10
أما الصوفية فقد أقبلوا على الغناء، ولم يشترطوا إلا حسن النية، وشرف القصد، وتفردت الطريقة المولوية باستجازة العزف على الآلات الموسيقية على اختلاف أنواعها أثناء مجلس الذكر، وكان لهذه الطريقة أشياع في الأقطار الفارسية والتركية، وكان لهم في مصر تكية في حي السيوفية بالقاهرة، وكانت لهم حضرة أسبوعية يتشوف إليها المولعون بالموسيقا والغناء، وقد أغلقت الحكومة المصرية تلك التكية، ورأينا يوم إغلاقها جماعة من أهل الأدب يعترضون في الجرائد على حرمان الموسيقا من براعة أولئك القوم.
11
والذي يراجع كتب التصوف يراها تفيض بالكلام عن الوجد والسماع وآداب المستمعين. وفي كتاب الإحياء فصل ممتع لخصته وناقشته في كتاب الأخلاق عند الغزالي
12
ولا أرى العود إلى تلخيصه في هذا الحديث، ويكفي أن يتذكر القارئ أن عناية الصوفية بالكتابة عن الموسيقا والغناء فيها وساوس كثيرة تمثل عنايتهم بالفنون وحرصهم على الأخلاق.
13
بين الفقهاء والصوفية
أما طريقة التغني في مجالس الصوفية فقد بينها الأستاذ التفتازاني في مقال نشره في مجلة المعرفة - عدد يونيه سنة 1931 - وهو يقول: «إن الصوفية درجوا منذ القديم على أن يبدأوا مجالس الذكر ب (لا إله إلا الله) وتعرف عندهم بالأرضية، ويأخذ (الرسيم) الذي هو رئيس المجلس في التدرج بالذاكرين أثناءها من الراست «الرصد» إلى الدوكه إلى السيكاه إلى الجهر كاه (الجركاه) إلى الحجاز ثم الرهاوي فالكردي فالبياتي فالصبا. وهنا تبدو مقدرة الرئيس في نقل الذاكرين من نغمة إلى نغمة كما تبدو مقدرة المنشدين في متابعتهم للأنغام والإنشاد. والغالب في الإنشاد على الأرضية أن يكون من كلام الصوفية كقولهم:
إلهي توسلنا بجاه محمد
نبيك وهو السيد المتواضع
أنلنا مع الأحباب رؤيتك التي
إليها قلوب الأولياء تسارع
إلى آخر القصيدة، ثم ينفرد رئيس المنشدين بعد الوصول إلى نغمة الرصد أو إلى النغمة التي ينتهي عندها إنشاد القصيدة بالاستغاثة (أغثنا أدركنا يا رسول الله ) ثم يقول الموال من نفس النغمة، فالأبيات التي سينشدها عند قيام المجلس من نفس النغمة أيضا ينشدها على الأرض مقطعة، وعند قيام الذاكرين يكرر الأبيات بالطريقة المألوفة، ثم ينفرد بعد ذلك بالمقطعات والقصائد والرقائق وما إليها من كلام الصوفية. وقد يستبيح بعضهم أن ينشد الأدوار الموسيقية بمذاهبها وورودها المعروفة على مجلس الذكر، ولكن هذه الطريقة قاهرية محضة، ويكاد لا يتبعها إلا رجال الطريقة الليثية أصحاب الفضل على هذا الفن وأساتذة مبرزيه وحملة ألويته في القاهرة منذ مائتي عام».
طرائق الإنشاد في مجالس الذكر
وقد لا حظت أن مجالس الصوفية كانت تنقلب أحيانأ إلى مجالس فنية، فهي مجالس تعقد ظاهرا لذكر الله، ولكن الغرض منها الغناء. فقد كان في حي الحسين منزل تقام فيه حضرة كل ليلة ثلاثاء. وكان ذكر الله في الصورة الشكلية يتولاه طائفة من العجزة عجزة الدراويش، أما نظام المجلس فيقوم على فن الشيخ حسن الحويحي، وكان منشدا حلو الصوت، عذب الأداء، خفيف الروح، وكان ينشد في الحضرة أبياتا من شعر ابن الفارض، مثل:
ما بين معترك الأحداق والمهج
أنا القتيل بلا إثم ولا حرج
ثم يندفع فيغني «آنست يا نور الوجود، شرفت يا روح المهجة، بعد البعاد أنا قلبي عليك» أو «الكمال في الملاح صدف» إلى آخر الأغاني الطريفة التي كانت تغنى في الليالي الملاح.
وكنت ألاحظ أن أهل ذلك المنزل يجعلون ليلة الحضرة ليلة قصف فيجمعون خلانهم حول الموائد ويتندرون بأطايب الأحاديث.
وكان المستمعون يقترحون «الأدوار» على نحو ما كانوا يفعلون في حفلات الطرب والأنس، وقد اقترح بعضهم دور «حود من هنا وتعال عندنا»؛ فغضب الشيخ الحويحي وقال: نحن لسنا في الأزبكية ... أما أنا فكنت أفهم من شواهد الحال أن الأزبكية ليست منهم ببعيد!