وإخوان الصفا من الصوفية، وإن لم يصرحوا بذلك، وهم يستشهدون بكلام أهل التصوف في مواطن كثيرة، وفي هذا الباب نقلوا من نوادرهم ما يؤيد رأيهم في اختلاف التأثيرات الموسيقية باختلاف النفوس. وهم يرون أن «كل نفس إذا سمعت من الأوصاف ما يشاكل معشوقها، ومن النغمات ما يلائم محبوبها، فرحت وسرت والتذت بحسب ما تصورت من رسوم معشوقها، واعتقدت في محبوبها، وتلك المعشوقات تختلف باختلاف الطباع، فللطبع السليم معشوقات روحانية، وللطبع العليل معشوقات أرضية، وقد صرحوا بأن أبصار الناظرين تشخص إلى الوجوه الحسان لأنها أثر من عالم النفس، كأن ذلك العالم كله جمال. وعلى هذا الأساس يكون الغناء العذب تذكيرا بالمحاسن المغيبة في عالم الأرواح».
الألحان في الأغاني الدينية وفي القرآن
والحق أن الغناء كان منذ الزمن القديم عنصرا حبا في التقاليد الدينية، وكان من الأنبياء من يعتمد على صوته الجميل في جذب الناس، ففي الحديث أن داود عليه السلام قد أعطي حسن الصوت حتى كان يستمع لقراءته إذا قرأ الزبور الجن والإنس والوحش والطير
3
وكان بنو إسرائيل يجتمعون فيستمعون، وكان يحمل من مجلسه أربع مئة جنازة ممن قد مات».
3
ولا تزال الكنائس المسيحية منذ نشأتها الأولى عامرة بالأناشيد، وللكنائس الفرنسية تأثير في الموسيقا والغناء يعرفه من يهتم باللوحات الغنائية، وقد جمعت عددا وفيرا من أناشيد الرهبان، ولا سيما الأناشيد المعروفة بالجريجوارية.
والقرآن نفسه لحن وقرئ بالألحان منذ عهد الرسول، وصح للجاحظ أن يحكم بأن القراءة بالألحان غير الغناء.
4
وكذلك درج الصوفية على مدح الصوت الحسن فكان ذو النون يراه مخاطبات وإشارات إلى الحق أودعها كل طيب وطيبة
5
وكان يحيى بن معاذ يراه روحة من الله لقلب فيه حب الله.
5
رأي الصوفية في السماع
وأهم ما امتاز به الصوفية هو التحرز في السماع، وهم يكرهونه إذا تطرق إلى الغرض منه الفساد والمخالفة واللهو وترك الحدود
6
وعندهم ما يسمى السماع بالحال، والذي يسمع بحاله يتأمل إذا سمع حتى يرد عليه معنى من ذكر عتاب أو خطاب، أو ذكر وصل أو هجر، أو قرب أو بعد، أو تأسف على فائت، أو تعطش إلى ما هو آت، أو ذكر طمع، أو يأس أو بأس، أو بسط أو استئناس، أو خوف الافتراق، أو وفاء بالعهد، أو تصديق بالوعد، أو نقض للعهد، أو ذكر قلق أو اشتياق، أو فرح الاتصال، أو ترح الانفصال، أو التحسر على ما لم ينل، أو القنوط من الذي أمل، أو ذكر صفاء المحبة، أو التمكن من المودة، أو ذكر اعتراض الصبوة بعد تمكنه من الحظوة، أو ذكر محافظة الرقيب عند ملاحظة الحبيب، أو تباريح الشجون، وفنون الفتون، فإذا طرق سمعه من ذلك حال مما يوافق حاله فيكون كالقادح يقدح في سره على قدر قوة إرادته فيعجز عن الضبط.
7
وعندهم السماع بالحق ومن الحق، والذي يسمع بالحق ومن الحق لا يلتفت إلى هذه الأحوال؛ لأنها وإن كانت شريفة فهي ممزوجة بحظوظ البشرية، والذين يكون سماعهم بالله ولله ومن الله وإلى الله هم الذين وصلوا إلى الحقائق وعبروا الأحوال، وفنوا عن الأفعال والأقوال، ووصلوا إلى محض الإخلاص وصفاء التوحيد، فخمدت بشريتهم، وفنيت حظوظهم، وبقيت حقوقهم، فشهدوا موارد الحق بالحق بلا علة ولا حظ للبشرية، وأطلعتهم تلك الموارد على أسرار حكمته، وأرتهم آثار قدرته، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
8
حسن النية وشرف القصد هما الأساس في إباحة الغناء
وينبغي أن نتذكر أن الصوفية تفردوا بين رجال الدين بالتشيع للموسيقا والغناء، فمن الفقهاء من يرى أن الغناء لهو مكروه يراد به الباطل، ويقضي بأن من استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته،
9
وذلك الفقيه هو الشافعي رحمه الله. أما مالك فقد نهى عن الغناء وقال: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها، وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد.