تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30

وهذه الأمور لخصناها من كلام مطول أثبته ابن القيم في نهاية كتابه الممتع (روضة المحبين) وقد وصل به اجتهاده إلى نحو خمسين وسيلة لدعوة النفس إلى حرب الهوى. وفي هذه الشواهد مقنع لمن يمتري في مزج الصوفية بين العقل والدين، فهم لا يعتمدون على الشرع وحده، وإنما يجعلون الكرامة الإنسانية مما تنصب له الموازين، وهل كان الشرع في جوهره إلا مبعث يقظة للعقل والوجدان؟

| الموسيقا والغناء

فضل الموسيقا في التذكير بعالم الأرواح

ليس من المبالغة أن نحكم بأن الصوفية تفردوا بين أهل الأدب والأخلاق بالتجويد في الموسيقا والغناء، فهم الذين نظروا في ذلك نظرا فلسفيا، وهم الذين جعلوا الموسيقا والغناء من المشاكل الخلقية، وهم الذين صيروا إنشاد الشعر في المحافل العلنية بابا من الأدب الرفيع.

ولنبدأ هذا الفصل بتحليل الحوار الممتع الذي وضعه إخوان الصفا في فضل الأنغام الموسيقية، فهو يمثل فهم الصوفية لأثر الموسيقا في تثقيف الأرواح والقلوب.

حدثوا أن جماعة من الحكماء والفلاسفة اجتمعوا في دعوة ملك من الملوك فأمر أن يكتب كل ما يتكلمون به من الحكمة، فلما غنى الموسيقار لحنا مطربا قال أحد الحكماء: إن للغناء فضيلة يتعذر على المنطق إظهارها، ولم يقدر على إخراجها بالعبارة فأخرجها النفس لحنا موزونا، فلما سمعتها الطبيعة استلذتها وفرحت وسرت بها فاسمعوا من النفس حديثها ومناجاتها.

وقال آخر: احذروا عند استماع الموسيقا أن تثور بكم شهوات النفس البهيمية نحو زينة الطبيعة، فتميل بكم عن سنن الهوى وتصدكم عن مناجاة النفس العليا.

وقال آخر للموسيقار: حرك النفس نحو قواها الشريفة من الحلم والجود والشجاعة والعدل والكرم والرأفة، ودع الطبيعة لا تحرك شهواتها البهيمية.

وقال آخر: الموسيقار إذا كان حاذقا بصنعته حرك النفوس نحو الفضائل ونفى عنها الرذائل.

وقال آخر: سمع فليسوف نغمة القينات فقال لتلميذه: امض بنا نحو هذا الموسيقار لعله يفيدنا صورة شريفة، فلما قرب منه سمع لحنا غير موزون ونغمة غير طيبة فقال لتلميذه: زعم أهل الكهانة أن صوت البوم يدل على موت إنسان، فإن كان ما قالوا صدقا فصوت هذا الموسيقار يدل على موت البوم!

وقال آخر: الموسيقار وإن كان ليس بحيوان فهو ناطق فصيح يخبر عن أسرار النفوس وضمائر القلوب.

1

وقال آخر: لا يفهم معاني الموسيقار ولطيف عبارته عن أسرار الغيوب إلا النفوس الشريفة الصافية من الشوائب الطبيعية، والبريئة من الشهوات البهيمية.

وقال آخر: إن النفوس الناطقة إذا صفت عن الشهوات الجسمانية، وزهدت في الملاذ الطبيعية، وانجلت عنها الأصدية الهيولاينة، ترنمت بالألحان الحزينة، وتذكرت عالمها الروحاني الشريف العالي، وتشوفت نحوه فإذا سمعت الطبيعة ذلك اللحن تعرضت للنفس بزينة أشكالها، ورونق أصباغها، كيما تردها إليها، فاحذروا من مكر الطبيعة أن تقعوا في شبكتها.

وقال آخر: إنما تشخص أبصار الناظرين إلى الوجوه الحسان؛ لأنها أثر من عالم النفس، ولأن عامة المرئيات في هذا العالم غير حسان لما يعرض لها من الآفات الشائنة المشوهة، إما في أصل التركيب أو بعده. وبيان ذلك أن الصغر من المواليد يكونون ألطف بنية وأظرف شكلا وصورة لقرب عهدها من فراغ الصانع منها، وهكذا حكم ما يرى من حسن الثياب ورونقها في مبدأ كونها قبل الآفات العارضة لها من الهوام والبلى والفساد.

اختلاف الناس في فهم الصور المعنوية للموسيقا والغناء

تلك فقرات قصيرة من الحوار الطويل الذي كتبه إخوان الصفا في فضل الموسيقا والغناء

2

ولم ننقل الحوار برمته لأن منهج البحث لا يحتم ذلك. ويكفي أن ندل القارئ على الغرض الذي وضع لأجله ذلك الحوار، وهذه الفقرات تشير إلى أنهم يتمثلون أصولا روحانية للهياكل الجسمانية، ويتصورون أن الغناء قد يوجه النفس إلى الخير حينا، وإلى الشر أحيانا، يوجهها إلى الخير حين ينبه الموسيقار إلى الواجب الأشرف في تحريك النفوس نحو قواها الشريفة من الحلم والجود والشجاعة والعدل، ويوجهها إلى الشر حين يتغنى بالشهوات الحسية فيثير في النفس أسباب الشوق إلى موارد الغي والضلال.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢١٦