صلى الله عليه وسلم
كان ينتظره نفر من أصحابه على الباب فجعل ينظر في الماء ويسوي شعره ولحيته، ثم خرج إليهم، فقلت: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: نعم! إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه، فإن الله جميل يحب الجمال ... ودخلت امرأة جميلة على الحسن البصري فقالت: يا أبا سعيد، أيحل للرجال أن يتزوجوا على النساء؟ قال: نعم. فقالت: وعلى مثلي؟ ثم دلت، فقال الحسن: ما على رجل كانت هذه في زاوية بيته ما فاته من الدنيا.
23
وكذلك يدور ابن القيم حول الجمال يمدحه ويطريه ويصف به أشرف الناس، وما كان لنا أن نهتم بهذا لولا دلالته على نزعة أصيلة من نزعات الصوفية: فالنبي جميل، والله جميل، وصفوة الله من خلقه هم المؤمنون من أهل الجمال.
وأظرف موقف في هذه الأحاديث هو موقف الحسن البصري وقد رأى تلك الحسناء، والحسن البصري هو إمام الصوفية، وهو مع ذلك يعرف كيف يقول: «ما على رجل كانت هذه في زاوية بيته ما فاته من الدنيا».
وهي عبارة بصرية تمثل اللهفة والشوق إلى أفنان الجمال.
دعوة النفس إلى حرب الهوى
أولئك هم الصوفية، وتلك نظراتهم إلى صباحة الوجوه، أفلا يكون لذلك أثر في فهمهم للأدب وتصورهم للأخلاق؟
وكيف يمكن أن لا تؤثر هذه النزعات في اتجاهاتهم الخلقية والأدبية؟ إن الخلق يصدر عن النفس، والأدب ينبغ من القلب، وأمثال هذه النفوس والقلوب لا تفيض إلا بالرحيق السلسبيل في الأدب والأخلاق. ولا يمكن أن يمتري منصف في قوة الخلق عند أولئك القوم، وإن جهد ناس في رميهم بالحصيات، أما الأدب فحسبهم من التفوق فيه أن تفردوا بالإخلاص، والإخلاص هو أساس العظمة في جميع الميادين.
بين العقل والدين
واهتمام الصوفية بالجمال ساقهم إلى فن من الأدب الرفيع: هو الكلام عن فضل العفاف، وكلامهم فيهم مزاج من الأدب والأخلاق، ومن الصحف الباقية ما كتبه ابن القيم عن عفاف يوسف، إذ بين «أن الداعي الذي اجتمع في حقه لم يجتمع في حق غيره، فإنه
صلى الله عليه وسلم
كان شابا، والشباب مركب الشهوة، وكان عزبا ليس عنده ما يعوضه، وكان غريبا عن أهله ووطنه، والمقيم بين أهله وأصحابه يستحي منهم أن يعلموا به فيسقط من عيونهم، فإذا تغرب زال هذا المانع، وكان في صورة المملوك والعبد لا يأنف مما يأنف منه الحر، وكانت المرأة ذات منصب وجمال، والداعي مع ذلك أقوى من داعي من ليس كذلك، وكانت هي المطالبة فيزول بذلك كلفة تعرض الرجل وطلبه وخوفه من عدم الإجابة، وزادت مع الطلب الرغبة التامة والمراودة التي يزول معها ظن الامتحان والاختبار لتعلم عفافه من فجوره، وكانت في محل سلطانها وبيتها بحيث تعرف وقت الإمكان ومكانه الذي لا تناله العيون، وزادت مع ذلك تغليق الأبواب لتأمن هجوم الداخل على بغتة، وأتته بالرغبة والرهبة، ومع هذا كله عف لله ولم يطعها، وقدم حق الله وحق سيده على ذلك كله، وهذا أمر لو ابتلي به سواه لم يعلم كيف كانت تكون حاله».
24
إن حوادث الصوفية في الحب العفيف كانت تروى، وهي آيات من الأدب الممتع، وأي جمال فات هذه القصة، وقد رواها المبرد بسنده عن رجاء بن عمرو النخعي قال:
كان بالكوفة فتى جميل الوجه، شديد التعبد والاجتهاد، فنزل في جوار قوم من النخع فنظر إلى جارية جميلة فهويها وهام بها عقله، ونزل بالجارية ما نزل به، فأرسل يخطبها من أبيها، فأخبره أبوها أنها مسماة لابن عم لها، فلما اشتد عليهما ما يقاسيانه من ألم الهوى أرسلت إليه الجارية: قد بلغني شدة محبتك لي، وقد اشتد بلائي بك، فإن شئت زرتك، وإن شئت سهلت لك أن تأتيني إلى منزلي، فقال للرسول: ولا واحدة من هاتين الخلتين، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، أخاف نارا لا يخبو سعيرها، ولا يخمد لهيبها، فلم أبلغها الرسول قوله قالت: وأراه مع هذا يخاف الله؟ والله ما أحد أحق بهذا من أحد، وإن العباد فيه لمشتركون. ثم انخلعت من الدنيا وألقت علائقها خلف ظهرها وجعلت تتعبد، وهي مع ذلك تذوب وتنحل حبا للفتى وشوقا إليه حتى ماتت من ذلك، فكان الفتى يأتي قبرها فيبكي عنده، ويدعو لها، فغلبته عينه ذات يوم على قبرها فرآها في منامه في أحسن منظر، فقال: كيف أنت، وما لقيت بعدي؟ فقالت: