نعم المحبة يا سؤلي محبتكم
حب يقود إلى خير وإحسان
فقال: على ذلك، إلام صرت؟ فقالت:
إلى نعيم وعيش لا زوال له
في جنة الخلد ملك ليس بالفاني
فقال لها: اذكريني هناك، فإني لست أنساك. فقالت: ولا أنا والله أنساك، ولقد سألت مولاي ومولاك أن يجمع بيننا فأعني على ذلك بالاجتهاد. فقال لها: متى أراك؟ فقالت: ستأتينا عن قريب فترانا، فلم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليال حتى مات رحمه الله.
25
فهذه القصة من وضع الصوفية، وهي من القصص التعليمية التي ألفت لرياضة النفس على إيثار العفاف، وهي - على جمال مغزاها من الوجهة الخلقية - متخيرة الألفاظ، بارعة الخيال.
وأجمل من هذه القصة وأمتع ما حدثوا أن امرأة جميلة كانت بمكة، وكان لها زوج، فنظرت يوما إلى وجهها في المرآة فقالت لزوجها: أترى أحدا يرى هذا الوجه ولا يفتن؟ قال: نعم. قالت: من؟ قال: عبيد بن عمير. قالت: فائذن لي فيه فلأفتننه! قال: قد أذنت لك. فأتته كالمستفتية، فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام، فأسفرت عن وجه مثل فلقة القمر، فقال لها: يا أمة الله، استتري! فقالت: إني قد فتنت بك! فقال: إني سائلك عن شيء، فإن أنت صدقتني نظرت في أمرك. قالت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك. قال: أخبريني لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك، أكان يسرك أن أقضي لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت، فلو دخلت قبرك وأجلست للمسائلة، أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت، فلو أن الناس أعطوا كتبهم ولا تدرين أتأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك، أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت، فلو أردت الممر على الصراط ولا تدرين هل تنجين أو لا تنجين، أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت، فلو جيء بالميزان وجيء بك فلا تدرين أيخف ميزانك أم يثقل، أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت، فلو وقفت بين يدي الله للمساءلة أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت. ثم قال: اتقي الله فقد أنعم عليك، وأحسن إليك.
فرجعت إلى زوجها فقال: ما صنعت؟ فقالت: أنت بطال ونحن بطالون! وأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة، فكان زوجها يقول: ما لي ولعبيد بن عمير، أفسد علي أمرأتي، كانت في ليلة عروسا فصيرها راهبة.
26
أرأيتم ما في هذه القصة من وجوه التربية الخلقية؟
إن هذا الفن من الأقاصيص هو من وضع الصوفية ومن نحا نحوهم من أهل الزهد والعفاف، وهو بما فيه من عناصر الصدق والإخلاص خليق بمطاردة ما وضع المفسدون من أخبار الفسق والمجون، فإن لم يكن الصوفية خلقوا هذا الفن فهم الذي أحيوه وأذاعوه، فإليهم الفضل في حياته على كل حال، وهو فضل ليس بالقليل.
ويتصل بهذا روايتهم للأخبار القصيرة التي تردع الهوى، وترد شارد العقل، من أمثال هذه الكلمات:
قال إبراهيم بن أبي بكر بن عياش: شهدت أبي عند الموت فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ فما أتى أبوك فاحشة قط. وقال عمر بن حفص بن غياث: لما حضرت أبي الوفاة أغمي عليه فبكيت عند رأسه، فقال لي حين أفاق: مايبكيك؟ قلت: أبكي لفراقك، ولما دخلت فيه من هذا الأمر - يعني القضاء - فقال: لا تبك، فإني ما حللت سراويلي على حرام قط، ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من توجه الحكم عليه منهما. وقال سفيان بن أحمد: شهدت الهيثم بن جميل وهو يموت، وقد سجي نحو القبلة، فقامت جارية تغمز رجليه، فقال اغمزيهما، فإن الله يعلم أنهما ما مشتا إلى حرام قط.
27
ولهذه الكلمات نظائر كثيرة جدا، وهي تؤيد ما ذهبنا إليه من أن اهتمام الصوفية بالجمال ساقهم إلى فنون ممتعة من صور الأدب والأخلاق.
ولكن هل وقفت الصوفية في حرب الهوى عند ابتداع هذه الأقاصيص؟ هيهات! فقد وضعوا طرائق للرياضة النفسية تعد من أبدع الدساتير في عالم الأخلاق، وهم يوصون مدمني الشهوات بملاحظة الأمور الآتية، وهي كفيلة بتخليص أسير الهوى من براثن الشيطان: