تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رأي ابن القيم في الجمال

ولنقيد أن هذه الأزمات لا تقع إلا حين تكون الريب والشبهات، فإذا صفت النفس، وأمن المريد من عنف الشهوة، فإن الصوفية يطلقون لأخيلتهم العنان في تصوير الجمال، وقد تحفظ ابن القيم ما شاء أن يتحفظ ولكنه عقد فصلا مهما في كتاب (روضة المحبين) وهو الفصل التاسع عشر الذي تكلم فيه عن «فضيلة الجمال، وميل النفوس إليه على كل حال».

وقد قسم الجمال إلى قسمين: ظاهر، وباطن، وبين أن الجمال الباطن هو المحبوب لذاته، وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته، وهو يزين الصورة الظاهرة وإن لم تكن ذات جمال. وأما الجمال الظاهر فزينة خص الله بها بعض الصور عن بعض، وهي من زيادة الخلق التي قال الله تعالى فيها:

يزيد في الخلق ما يشاء .

قال ابن القيم: وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله تعالى على عبده فالجمال الظاهر نعمة منه أيضا على عبده، فإن شكره بتقواه وصيانته ازداد جمالا على جماله، وإن استعمل جماله في معاصيه سبحانه قلبه له شينا ظاهرا في الدنيا قبل الآخرة، فتعود تلك المحاسن وحشة وقبحا وشينا، وينفر عنه من رآه، فكل من لم يتق الله عز وجل في حسنه وجماله انقلب قبحا وشينا يشينه بين الناس، فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره، وقبح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره.

22

وكان النبي

صلى الله عليه وسلم

يدعو الناس إلى جمال الباطن بجمال الظاهر كما قال جرير بن عبد الله - وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسميه يوسف هذه الأمة - قال: قال لي رسول الله

صلى الله عليه وسلم : أنت امرؤ قد حسن الله خلقك فأحسن خلقك.

22

وقال بعض الحكماء: ينبغي للعبد أن ينظر كل يوم في المرآة، فإن رأى صورته حسنة لم يشنها بقبيح فعله، وإن رآها قبيحة لم يجمع بين قبح الصورة وقبح الفعل.

22

ومن الواجب أن نتأمل ما في هذا الكلام من التربية الخلقية، فابن القيم يجعل الحسن الظاهر من طيبات الأرزاق، ولكنه يشترط لذلك أن يحسن الخلق ويكمل الدين، وهو يلح في هذا المعنى بصيغ مختلفة من التأكيد، ويستشهد بكلام الرسول وكلام الحكماء.

وهذا التأكيد يدل على قوة الحاسة الخلقية، فالحسن الفاجر هو في الواقع حسن وضيع، وفي الخلق السليم جمال أبرع من الجمال المحسوس، والمعنويات في جوهرها أشرف من المحسوسات، والعقل الصحيح يتمثل المحسوس من صور التقريب للمعقول، والجمال الحسي لا يمكن أن يكون غاية إلا عند أهل الضعة والإسفاف من طلاب الدون في عالم الشهوات.

والجمع بين المعقول والمحسوس هو غاية الغايات، ولا يتفق ذلك إلا حين يشاء الله أن يسبغ نعمه على بعض العباد، كالذي وقع في حياة محمد بن عبد الله ويوسف بن يعقوب.

صور مبتكرة في التنفير من الحب الأثيم

ويمضي ابن القيم فيقول: ولما كان الجمال من حيث هو محبوبا للنفوس، معظما في القلوب، لم يبعث الله نبيا إلا جميل الصورة، حسن الوجه، كريم الحسب، حسن الصوت، كذا قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

وكان النبي

صلى الله عليه وسلم

أجمل خلق الله وأحسنهم وجها، كما قال البراء ابن عازب رضي الله عنه وقد سئل: أكان وجه رسول الله

صلى الله عليه وسلم

مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر. وفي صفته

صلى الله عليه وسلم : كأن الشمس تجري في وجهه. يقول واصفه: لم أر قبله ولا بعده مثله. وكان رسول الله

صلى الله عليه وسلم

يستحب أن يكون الرسول الذي يرسل إليه حسن الوجه، حسن الاسم، وكان يقول: إذا أبردتم إلي بريدا فليكن حسن الوجه، حسن الاسم. وقد روى الخرائطي من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه: من آتاه الله وجها حسنا، واسما حسنا، وخلقا حسنا، وجعله في موضع غير شائن له، فهو من صفوة الله من خلقه. وقال وهب: قال داود: يا رب، أي عبادك أحب إليك؟ قال: مؤمن حسن الصورة. قال: فأي عبادك أبغض إليك؟ قال: كافر قبيح الصورة. ويذكر عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢١٢