تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قولوا - إن شئتم - إن هناك قوانين أخلاقية عاش بفضلها العالم إلى اليوم ثم تذكروا أن هناك شيئا اسمه الوقاحة، وشيئا اسمه الحياء، فإن وصلتم إلى هذه الغاية فاعترفوا - إن كنتم منصفين - أن الصوفية تفردوا بين الناس بالحرص على فضيلة الحياء.

إن الوسوسة الخلقية هي في ذاتها أدب عظيم، والصوفية هم الذين ملأوا الدنيا بالتنفير من فتنة الجمال، والجمال في ذاته نفحة إلهية، ولكن الفسق يحوله إلى عصارة قذرة لا يسكن إليها رجل في شمائله ذوق، وفي روحه صفاء.

وكيف كان الفسق قذرا مع أنه من النتائج الطبيعية لنظام الأرواح والأبدان؟

عند هذه المشكلة نتبين رغبة الإنسانية في الكمال المطلق، فالفسق لا يقع إلا بسبب نزعتين: الاستعلاء الآثم من جانب، والاستحذاء الساقط من جانب، ولا كذلك العفاف فإنه لا يكون إلا بفضل عاطفتين شريفتين: الإبقاء الكريم من جانب، والإباء النبيل من جانب.

فإن قلتم: وكيف اعترفت بهذه المصطلحات؟ فإني أجيب بأن بقاءها على هذه الأزمنة الطوال يدل على أن تلك القوة الكهربائية لها في بقائها سر خاص. وحين يصح أن هناك فروقا جوهرية بين التحليق والإسفاف في عالم الأخلاق فسنعرف أن الصوفية كانوا أشرف الناس.

على أن التحرز فيه معنى المقاومة، والمقاومة من أصول التغلب في هذا الوجود، ولو قد نظر ابن الجوزي هذه النظرة لعرف فضل هذا المعنى في قصة ذلك الصوفي الذي ابتلي بحب الجمال المحسوس، ثم قاوم وغالب حتى فارق الحياة وهو نقى الثياب.

وإنا لنرجو القارئ أن يرحمنا من تهمة التعصب للصوفية، فنحن - يشهد الله - لا نحب إلا الوقوف في صف المظلومين، والصوفية قاسوا من الظلم ألوانا كثيرة، منها اتهامهم بالفسق والمجون، وممن؟ من ناس يتركون قصور الوزراء والأمراء والملوك تعج بالدنس والرفث والقذارة والرجس، ثم يوجهون جهودهم إلى حرب طائفة من الفقراء الذين لا يجدون الكفاف إلا بشق الأنفس في هذا العالم السخيف.

يرحمكم الله، أيها المؤلفون في الأخلاق، فأكثركم من أهل الجبن والتلفيق وأي مظهر للجبن أقبح وأبشع من أن تصنف الكتب الطوال العراض في مثالب الصوفية، على حين يترك الملوك الظالمون في العصور الماضية بلا رقيب ولا حسيب؟

أين ما وضع ابن الجوزي وأمثاله في نقد الاستبداد، وكان يعيش في عصر لا تحترم فيه ملكية ولا تحفظ حقوق؟ أين ما كتب هؤلاء المتفيهقون في الفساد الخلقي والاجتماعي الذي كان يندلع لهيبة من قصور الأمراء والوزراء؟ أين ما دونوا من أصول الأخلاق القومية والدولية في أزمان طغى فيها تيار المطامع الأجنبية، وتعرضت ديار العرب والإسلام للخراب والإقواء؟

إن الفقير كان ولا يزال مكشوف العورات، والغنى منذ الزمن القديم يستر العيوب. ألم نجد ناسا ينكرون أن يكون الرشيد عرف مجالس الشراب!

ولكن ما هذا؟ لعلنا نسرف في اتهام الإنسانية بإيثار الملق والمداهنة والرياء؟

إن الصوفية كانوا دعاة الأخلاق، فمن واجب الناس أن ينبهوهم إلى ما ينزلقون فيه، ومن حق الناس أن يحسدوهم على دعوى التفرد بالشرف والاستقامة والتدين، فالصوفية هم الذين خلقوا أسباب الحسد، وهم الذين دعوا الناس إلى محاسبتهم على ما يقولون وما يعملون.

أما الملوك والأمراء والوزراء فلم يكن فيهم من يدعي أنه نموذج في الأخلاق، ولهذا سكت عنهم أكثر المؤلفين في الأخلاق، وأريد المؤلفين المخلصين، أما المنافقون فلم يكن لهم بد من مداراة أصحاب الملك، وأرباب الجاه والثراء.

لكل إنسان أن يعيش كيف يشاء، وعلى الله حساب الناس فيما يسرون وما يعلنون، ولكن ليحذر من ينصب نفسه داعية للخلق الجميل، فإن الناس سيحاسبونه على كل صغيرة وكبيرة، وسيقولون فيه كل شيء، بالحق وبالباطل، فلينظر أين يضع قدمه، وأين يوجه خطراته النفسية والروحية، وكيف تكون صلته بالله وصلته بخلق الله. إن الدعوة إلى الخلق الجميل كالدعوة إلى الدين الحق، وقد رأينا كيف عانى الأنبياء، من ظلم الجاهلين والسفهاء، فمن تسامت نفسه إلى الدعوة إلى البر والشرف فليوطن نفسه على احتمال الضيم والأذى والعقوق.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢١١