تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21

ورأى بعض الزهاد صوفيا يضحك إلى غلام جميل فقال له: يا خرب القلب ويا خرب الطرف، أما تستحي من كرام كاتبين، وملائكة حافظين، يحفظون الأفعال، ويكتبون الأعمال، وينظرون إليك، ويشهدون عليك، بالبلاء الظاهر، والغل الدخيل المخامر، الذي أقمت نفسك فيه مقام من لا يبالي من وقف عليه، ونظر من الخلق إليه.

21

الدفاع عن الصوفية

ولكن ما دلالة هذه الشواغل؟ هي بلا جدال باب من الأخلاق والمخلصون من الصوفية عرفوا خطر هذه المزالق الوجدانية، وتنبهوا إلى خطرها في عالم الأخلاق.

ولابن الجوزي أن يقول فيهم ما شاء، فلن ينكر أحد أن هؤلاء القوم وقفوا موقف التحرز والخوف من فتن جائحة كانت تقتل الكرامات والعزائم والنفوس في كثير من الأندية الأدبية والسياسية، وكانوا وحدهم أصحاب الضمائر في عهود كان فيها استهداء الغلمان شريعة من شرائع الاجتماع.

وهل من القليل أن يتواصى الصوفية بالحذر من صحبة الأحداث في أزمنة كان يشتري فيها الغلمان المتخيرون ليمسوا زينة القصور في قرطبة والقاهرة ودمشق وبغداد؟

إن من سوء الرعاية أن نغفل أثر هذا التحرز في عالم الأخلاق، لقد كان الصوفية يؤاخذون على النظرة في أيام كانت تكتب فيها أخبار الفسق والمجون بعبارات مكشوفة ينكرها الأدب ويأباها الحياء.

ومن الذي يضمن أن يكون ابن الجوزي صادقا في كل ما كتب عن مغامز الصوفية؟

أولئك قوم كانت لهم في شبابهم صبوات، فلما من الله عليهم بالتوبة والهداية ظل خصومهم يتذكرون ماضيهم، ويضيفون إليه ما شاء الإفك والبهتان، ليغضوا من أقدارهم وليصرفوا عنهم الناس.

ونحن مع ذلك لا ننكر أن من الصوفية من زلت أقدامهم في صحبة الأحداث، فالعصمة لله وحده، وادعاء العصمة هو في ذاته وقاحة خلقية، ولا يدعي التصون المطلق إلا خادع أو مخدوع، ولكن من المكابرة أن نجحد ما أثر عن الصوفية من الفضل في هذا الباب، وهل في الأدب كله كلمة أبلغ وأفصح وأنصع وأصدق من قول الواسطي طيب الله ثراه: «إذا أراد الله هوان عبد ألقاه إلى هؤلاء الأنتان والجيف!».

أترون كيف تضطرم نار الغيرة على الكرامة في أحشاء هذه الحروف؟ وهل رأيتم صدقا أكرم وجها من صدق هذا المعنى؟ هل رأيتم احتقارا للشهوات الحسية أعنف من هذا الاحتقار؟ أرأيتم كيف تكون بلاغة من من خبر الدنيا، وعرف مكارهها، وتبين عناصر الشر فيها، واهتدى إلى معالم النجاة والهلاك؟ الحق أن هذه المسألة في غاية الدقة: فالصوفية على خطر، وناقدوهم على خطر الصوفية على خطر؛ لأن الاعتبار بالجمال قد يكون وسوسة خفية من مكر الشيطان.

وناقدوهم على خطر؛ لأن الإحساس بروعة الجمال قد يكون بابا إلى صقل النفس والوجدان.

وقد يكون الماضي كله ضلالة من الضلالات يوم تنكشف الحقائق، ويتبين أن الوجود كله معقود الأواصر بقوة كهربائية لا نملك منها الفرار، قد يظهر يوما أننا لا نملك الرغبة، ولا نملك الزهد، وإنما نحن مسخرون في وجود عجيب يربطنا بقوة قاهرة حول تيارات من الحسن والقبح. إنه ليوم عصيب، ذلك اليوم الذي نعرف فيه أننا لا نملك غير الثرثرة، وأن قانون الوجود يسخرنا كما يشاء، وأن تاريخ المذاهب الأخلاقية لم يكن إلا مظهرا من مظاهر ذلك القانون.

أترون الرجل يخرج على مألوف العرف وهو طائع؟ أترونه يثور على التقاليد الدينية والاجتماعية وهو مطلق الاختيار والحرية؟ ولماذا لا يكون هذا النزاع بين الغواية والهداية نزاعا فرضته تلك القوة الكهربائية التي لم نعرف من أسرارها إلا شيئا يشبه السراب حين يتمثل في الأحلام؟

ثم ما رأيكم في هذه الفلسفة؟ أترونها نوعا من الشطح؟ ليكن ذلك، فنحن من تلاميذ الصوفية، وهم أقدر الناس على الشطح والهيام في أودية الخيال!

ولكن حذار أن تنكروا أن الفتن التي اصطدم بها الصوفية كانت مما لا يمكن تحاشيه في هذا العالم الغريب، إن الدنيا خلقت كما شاء البارئ أن تخلق، ففيها الخير والشر، والرشد والغي، والهدى والضلال، وفيها ما شاء البارئ من السم والترياق، فانظروا كيف شئتم، ولكن تأدبوا، وتذكروا أن النار إن سلطت عليكم فستحولكم إلى رماد مهين مهما اعتصمتم بالفروض والظنون.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢١٠