تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما قصة محمد بن داود الأصبهاني فغايتها أن تكون من سعيه المعفو، لا من عمله المشكور، وسلط الناس بذلك على عرضه، والله يغفر لنا وله، فإنه تعرض بالنظر إلى السقم الذي صار به صاحب فراش، وهذا لو كان ممن يباح له لكان نقصا وعيبا، فكيف من صبي أجنبي؟ وأرضاه، الشيطان بحبه والنظر إليه عن مواصلته، إذ لم يطمع في ذلك منه، فنال منه ما عرف أن كيده لا يتجاوزه، وجعله قدوة لمن يأثم به بعده كأبي محمد بن حزم الظاهري وغيره، وكيد الشيطان أدق من هذا.

17

وهذا نظر قريب من نظر ابن الجوزي، ويمتاز مع ذلك بالتلطف والرفق فهو يعترف بعفاف ابن داود، ولكنه لا يجعله قدوة لمن سواه، وحسب ابن داود من السلامة أن لا يحشر في زمرة الآثمين.

رأي ابن القيم في صبابة ان داود

ونستطيع الجزم بأن صحبة الأحداث كانت من الفتن الظاهرة في حياة الصوفية، وكانت لهم في هذا الباب كنايات، من ذلك قولهم للغلام الصبيح (شاهد) ومعناهم فيه أنه لحسن صورته شهيد بقدرة الله عز اسمه على ما يشاء، ويحكى أن أصحاب أبي علي الثقفي تحاموا لفظة (الشاهد) بين يديه هيبة له، فتواصوا فيما بينهم أن يقولوا للغلام الصبيح (حجة)، فاتفق أنهم صحبوه في بعض الطريق فتراءى لهم من بعيد غلام فقال أحدهم (حجة)، وهو يظن أن أبا علي لا يفطن لمغزاه، فلما قرب الغلام منهم كان غير مليح، فالتفت أبو علي إليهم وقال: داحضة.

18

ويؤيد هذا أن أكثر من ألفوا في التصوف عرضوا لهذه المسألة وأطالوا في الزجر والترهيب، وقد عقد لها القشيري فصلا قال فيه:

ومن أصعب الآفات في هذه الطريقة صحبة الأحداث، ومن ابتلاه الله بشيء من ذلك فبإجماع الشيوخ ذلك عبد أهانه الله عز وجل وخذله، بل عن نفسه شغله، ولو بألف كرامة أهله، وهب أنه بلغ رتبة الشهداء ... أليس قد شغل ذلك القلب بمخلوق؟ وأصعب من ذلك تهوين ذلك على القلب، حتى يعد ذلك يسيرا، وقد قال الله تعالى: «وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم». وهذا الواسطي رحمه الله يقول: إذا أراد الله هوان عبد ألقاه إلى هؤلاء الأنتان والجيف. سمعت أبا عبد الله الصوفي يقول: سمعت محمد بن أحمد النجار يقول: سمعت أبا عبد الله الحصري يقول: سمعت فتحا الموصلي يقول: صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال، كلهم أوصوني عند فراقي إياهم وقالوا: اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم ... فليحذر المريد من صحبة الأحداث ومخالطتهم، فإن اليسير منه فتح باب الخذلان، وبدء حال الهجران، ونعوذ بالله من قضاء السوء.

19

ونظر محمد بن أسباط الصوفي إلى أبي المثنى الشيباني، وقد نظر في وجه غلام مليح فقال: إدمان النظر، يكشف الخبر، ويفضح البشر، ويطول به المكث في سقر.

20

وقال المعلى الصوفي: شكوت إلى بعض الزهاد فسادا أجده في قلبي، فقال: هل نظرت إلى شيء فتاقت إليه نفسك؟ قلت: نعم! قال: احفظ عينيك، فإنك إن أطلقتهما أوقعتاك في مكروه، وإن ملكتهما ملكت سائر جوارحك.

20

وقال مسلم الخواص لمحمد بن علي الصوفي: أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله في أمرك كله، وإيثار ما يحب على محبتك، وإياك والنظر إلى كل ما دعاك إليه طرفك، وشوقك إليه قلبك، فإنهما إن ملكاك لم تملك شيئا من جوارحك، حتى تبلغ بهما ما يطالبانك به، وإن ملكتهما كنت الداعي لهما إلى ما أردت، فلا يعصيان لك أمرا، ولا يردان لك قولا.

20

وقال الأسود بن طالوت: نظر إلي أبو عمر الصوفي، وقد أطلت النظر إلى غلام جميل، فقال: ويحك، إن طرفك لعظيم ما جتنى من البلاء، قد عرضك للمكروه وطول العناء، لقد نظرت إلى حتف قاتل للقلوب، وبلاء مظهر للعيوب، وعار فاضح للنفوس، ومكروه مذهل للعقول، أكل هذا لاغترار بالله جرأك عليه حتى أمنت مكره، ولم تخف كيده؟ اعلم أنك لم تكن في وقت من أوقاتك، ولا حالة من حالاتك أقرب إلى عقوبة الله منك في حالتك هذه، ولو أخذك لم يخلصك الثقلان، ولم يقبل فيك شفاعة إنس ولا جان.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٠٩