تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41

والقصة مصنوعة، ولكنها تمثل رأي الجماهير في لباس الصوف.

وفي قصة عنترة بن شداد - وهي تمثل النزعات الشعبية - أنه بينما كان النمرود جالسا في منظره عالية تشرف على خارج المدينة نظر إلى جماعة من الأحبار العباد عليهم لباس الشعر والصوف ... إلخ.

42

ويؤكد التزام الصوفية للبس الصوف حرصهم على المرقعة؛ أي: الثوب المرقع، ومن رأي ابن الجوزي أنهم لما سمعوا أن النبي كان يرقع ثوبه وأنه قال لعائشة: لا تخلعي ثوبا حتى ترقعيه وأن عمر بن الخطاب كان في ثوبه رقاع اختاروا المرقعات،

43

وكذلك صارت المرقعة عنوانا عليهم، وروي عن الثوري أنه قال: «كانت المرقعات غطاء على الدر فصارت جيفا على مزابل»،

44

ونظر محمد بن محمد الكتاني إلى أصحاب المرقعات فقال: «إخواني! إن كان لباسكم موافقا لسرائركم فقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، وإن كان مخالفا لسرائركم فقد هلكتم ورب الكعبة».

44

وقال محمد بن عبد الحق لبعض أصحابه: «لا يعجبنك ما ترى من هذه اللبسة الظاهرة عليهم، فما زينوا الظواهر إلا بعد أن خربوا البواطن».

44

وهذا التقريع لا يوجه إلا لقوم يلبسون المرقعة بلا انقطاع؛ ولذلك كره بعض شيوخهم لبس المرقعة خوفا من طوارق الرياء ومن التعرض للسؤال،

45

ولا يكون لبس المرقعة بابا إلى الرياء إلا حين تكون علامة قاطعة على التصوف وهي لا تعرض صاحبها للصدقات إلا لدلالتها على الفقر والبؤس.

ويؤيد ذلك الملحظ ما حدث النضر بن شميل إذ قال: قلت لبعض الصوفية: تبيع جبتك الصوف؟ فقال: إذا باع الصياد شبكته فبأي شيء يصطاد؟!

46

وكانوا يرون نزع المرقعة علامة الإقبال على الدنيا، ويذكرون أن محمد بن أحمد بن موسى قدم بغداد وأقام بها مدة يتكلم بلسان الوعظ، ويشير إلى طريقة الزهد، ويلس المرقعة، ويظهر عزوف النفس عن طلب الدنيا، فافتتن به الناس لما رأوا من حسن طريقته، وكان يحضر مجلس وعظه قوم لا يحصون، ثم إنه قبل ما كان يوصل به بعد امتناع شديد كان يظهره من قبل، وحصل له ببغداد مال كثير، ونزع المرقعة ولبس الثياب الناعمة الفاخرة وجرت له أقاصيص وصار له تبع وأصحاب.

47

وترقيع الثياب في الأصل من علامات الفقر، ومنه قول عروة بن الزبير: لقد تصدقت عائشة (رضي الله عنها) بخمسين ألفا وإن درعها لمرقع،

48

وهذه الخمسون ألفا لا يمكن أن تكون دنانير.

وينكر ابن الجوزي أن يكون للمرقعة أصل في السنة،

49

وهذا يدل على أن الصوفية كانوا يتسامون إلى جعل المرقعة من السنن النبوية، وذلك دليل جديد على تشبثهم بالمرقعات.

على أنه لا موجب لكل هذا العناء في الاستقصاء، فالصوفية كانوا يعرفون نسبتهم إلى الصوف، قال أبو سليمان الداراني لرجل لبس الصوف: إنك قد أظهرت آلة الزاهدين، فماذا أورثك هذا التصوف؟ فسكت الرجل. فقال له: يكون ظاهرك قطنيا وباطنك صوفيا.

50

ودخل أبو محمد ابن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن بن بشار وعليه جبة صوف، فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد! صوفت قلبك أو جسمك؟ صوف قلبك والبس القوهي على القوهي.

50

وكان لبس الصوف يؤكد الخشوع كقول من قال: «رأيت امرأة متبتلة تلبس صوفا».

51

وهذا كله ظاهر، ولكن يهمنا أن نقيد في هذا البحث أن لبس الصوف كان من تقاليد النصرانية، وهي في أصلها تصوف وروحانية، روى ابن قتيبة بسنده قال:

بلغني أن عيسى خرج على أصحابه وعليه جبة من صوف وكساء وتبان

52

حافيا مجزوز الرأس والشاربين ، باكيا شعثا مصفر اللون من الجوع، يابس الشفتين من العطش، طويل شعر الصدر والذراعين والساقين، فقال: السلام عليكم يا بني إسرائيل! أنا الذي أنزلت الدنيا منزلها، ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله؟ قال: بيتي المساجد، وطيبي الماء، وإدامي الجوع، ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر، وصلائي في الشتاء مشارق الشمس، وطعامي ما تيسر، وفاكهتي وريحاني بقول الأرض، ولباسي الصوف وشعاري الخوف، وجلسائي الزمنى والمساكين، أصبح وليس لي شيء، وأمسي وليس لي شيء، وأنا طيب النفس غني مكثر، فمن أغنى وأربح مني؟

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٠