ونقل بسنده أن أبا حمزة الصوفي قال:
رأيت ببيت المقدس فتى من الصوفية يصحب غلاما مدة طويلة، فمات الفتى وعال حزن الغلام عليه حتى صار جلدا وعظما من الضنى والكمد، فقلت له يوما: لقد طال حزنك على صديقك، حتى أظن أنك لا تسلو بعده أبدا فقال: كيف أسلو عن رجل أجل الله عز وجل أن يصيبه معي طرفة عين أبدا، وصانني عن نجاسة الفسوق في خلال صحبتي له وخلواتي معه في الليل والنهار.
ويقول ابن الجوزي في التعقيب على هاتين القصتين:
هؤلاء قوم رآهم إبليس لا ينجذبون معه إلى الفواحش فحسن لهم بداياتها فتجعلوا لذة النظر والصحبة والمحادثة، وعزموا على مقاومة النفس في صدها عن الفاحشة، فإن صدقوا وتم لهم ذلك فقد اشتغل القلب الذي ينبغي أن يكون شغله بالله تعالى لا بغيره، وصرف الزمان الذي ينبغي أن يخلو فيه القلب بما ينفع في الآخرة بمجاهدة الطبع في كفه عن الفاحشة، وهذا كله جهل وخروج عن آداب الشرع، فإن الله عز وجل أمر بغض البصر؛ لأنه طريق إلى القلب، ليسلم القلب لله تعالى من شائب يخاف منه، وما مثل هؤلاء إلا كمثل من أقبل إلى سباع في غيضة وهي متشاغلة عنه لا تراه، فأثارها وحاربها وقاومها، فيا بعد سلامته من جراحه إن لم يهلك.
14
واستطرد ابن الجوزي فذكر أنه كان ببلاد فارس صوفي كبير فابتلي بحدث فلم يملك نفسه أن دعته إلى فاحشة، فراقب الله عز وجل، ثم ندم على هذه الهمة، وكان منزله على مكان عال ووراء منزله بحر من الماء، فلما أخذته الندامة صعد السطح ورمى بنفسه إلى الماء، وتلا قوله تعالى:
فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم
فغرق في البحر.
قال ابن الجوزي: انظر إلى إبليس كيف درج هذا المسكين من رؤية هذا الأمرد، وإدمان النظر إليه، إلى أن مكن المحبة من قلبه، وإلى أن حرضه على الفاحشة، فلما رأى استعصامه حسن له بالجهل قتل نفسه فقتل نفسه، ولعله هم بالفاحشة ولم يعزم، والهمة معفو عنها لقوله عليه السلام: عفى لأمتي عما حدثت به نفوسها، ثم إنه ندم على همته والندم توبة، فأراه إبليس أن من تمام الندم قتل نفسه كما فعل بنو إسرائيل، فأولئك أمروا بقوله تعالى:
فاقتلوا أنفسكم
ونحن نهينا عنه بقوله تعالى:
ولا تقتلوا أنفسكم
فلقد أتى بكبيرة عظيمة، وفي الصحيحين عن النبي
صلى الله عليه وسلم
أنه قال: من تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدأ فيها أبدا.
15
ونقل أن يوسف بن الحسين كان يقول: كل ما رأيتموني أفعله فافعلوه إلا صحة الأحداث فإنها فتنة الفتن، ولقد عاهدت ربي أكثر من مئة مرة أن لا أصحب حدثا ففسخها علي حسن الخدود، وقوام القدود، وغنج العيون، وما سألني الله معهم عن معصية، وأنشد قول مسلم بن الوليد في معنى ذلك:
إن ورد الخدود والحدق النج
ل وما في الثغور من أقحوان
واعوجاج الأصداغ في ظاهر الخد
وما في الصدور من رمان
تركتني بين الغواني صريعا
فلهذا أدعى صريع الغواني
وفي التعقيب على هذا التصريح الفاتك يقول ابن الجوزي:
هذا الرجل قد فضح نفسه في شيء ستره الله عليه، وأخبر أنه كلما رأى فتنة نقض التوبة، فأين عزائم التصوف في حمل النفس على المشاق؟ ثم ظن بجهله أن المعصية هي الفاحشة فقط، ولو كان له علم لعلم أن صحبتهم والنظر إليهم معصية، فانظر إلى الجهل كيف يصنع بأربابه.
16
وقد أطلنا الاقتباس من ابن الجوزي لأن الصفحات التي كتبها في هذا الموضوع من خير ما قرأنا في الدراسات النفسية والخلقية، ولأنها تصور ما كان يعرض للصوفية من الحيرة المطبقة في تفهم الفروق بين مسالك الرشد والغي، ومعالم الهدى والضلال.
هجوم ابن الجوزي عليهم
وقد فصل ابن القيم أحوال المحبين، وعرض لمن عرفوا بالتصون والعفاف، فقال عن محمد بن داود الأصبهاني، وكان من أهل المروءة والدين، ومن أصدق الناس في العشق العفيف: