11
ومن رأي ابن الجوزي أن أكثر المتصوفة قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب لبعدهم عن مصاحبتهن، وامتناعهم عن مخالطتهن، واشتغلوا بالتعبد عن النكاح، واتفقت صحبة الأحداث لهم على وجه الإرادة، وقصد الزهادة، فأمالهم إبليس إليهم، وهم في ذلك على أقسام: القسم الأول: أخبث القوم وهم ناس تشبهوا بالصوفية ويقولون بالحلول، ويزعمون أن الحق تعالى اصطفى أجساما حل فيها بمعنى الربوبية، والقسم الثاني: قوم يتشبهون بالصوفية في ملبسهم ويقصدون الفسق، والقسم الثالث: قوم يستبيحون النظر إلى المستحسن، واستئناسا بما روي عن الرسول: اطلبوا الخير عند حسان الوجوه، وقوله: ثلاثة تجلو البصر: النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء، والنظر إلى الوجه الحسن. وهما حديثان لا أصل لهما عن رسول الله. والقسم الرابع: قوم يقولون: نحن لا ننظر نظر شهوة وإنما ننظر نظر اعتبار، فلا يضرنا النظر، وذلك في رأي ابن الجوزي محال.
12
فتنة الصوفية بالأحداث
وقد شغل ابن الجوزي نفسه بتعقب الصوفية، فنقل عنهم حكايات غريبة، وعلق عليها تعليقات تدل على بصر بدقائق علم النفس والأخلاق، ولا بد لنا من عرض نماذج من ملاحظاته؛ لأنها ثمرة من ثمرات التصوف، وكل ما كتب للتصوف أو عليه فهو مظهر من آثاره في الحياة العقلية والذوقية.
نقل بسنده أن عبد الله بن الزبير الحنفي قال: كنت جالسا مع أبي النصر الغنوي وكان من المبرزين العابدين، فنظر إلى غلام جميل فلم تزل عيناه واقعتين عليه حتى دنا منه فقال: سألتك بالله السميع، وعزه الرفيع، وسلطانه المنيع، إلا وقفت علني أروى من النظر إليك. فوقف قليلا ثم ذهب ليمضي فقال له: سألتك بالله الحكيم المجيد، الكريم المبدئ المعيد، إلا ما وقفت! فوقف ساعة، فأقبل يصعد النظر إليه ويصوبه، ثم ذهب ليمضي. فقال: سألتك بالواحد الأحد، الجبار الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، إلا وقفت! فوقف ساعة فنظر إليه طويلا، ثم ذهب ليمضي، فقال: سألتك باللطيف الخبير، السميع البصير، وبمن ليس له نظير، إلا وقفت! فوقف فأقبل ينظر إليه ثم أطرق رأسه إلى الأرض، ومضى الغلام، فرفع رأسه بعد طويل وهو يبكي فقال: قد ذكرني هذا بنظري وجها جل عن التشبيه، وتقدس عن التمثيل، وتعاظم عن التحديد، والله لأجهدن نفسي في بلوغ رضاه بمجاهدتي جميع أعدائه، وموالاتي لأوليائه، حتى أصير إلى ما أردته من نظري إلى وجهه الكريم، وبهائه العظيم، ولوددت أنه قد أراني وجهه وحبسني في النار ما دامت السموات والأرض، ثم غشى عليه.
ونقل بسنده أن أحدهم قال: كنت مع محارب بن حسان الصوفي في مسجد الخيف ونحن محرمون، فجلس إلينا غلام من أهل المغرب فرأيت محاربا ينظر إليه نظرا أنكرته، فقلت له بعد أن قام: إنك محرم في شهر حرام في بلد حرام في مشعر حرام، وقد رأيتك تنظر إلى هذا الغلام نظرا لا ينظره إلا المفتون! فقال لي: تقول هذا، يا شهواني القلب والطرف! ألم تعلم أنه قد منعني من الوقوع في شرك إبليس ثلاث؟ فقلت: وما هي؟ فقال: سر الإيمان، وعفة الإسلام. وأعظمها الحياء من الله تعالى أن يطلع علي وأنا جاثم على منكر نهاني عنه، ثم صعق حتى اجتمع الناس علينا.
وهنا يقول ابن الجوزي في التعليق على هاتين الحادثتين:
انظروا إلى جهل الأحمق الأول ورمزه إلى التشبيه، وإن تلفظ بالتنزيه، وإلى حماقة هذا الثاني الذي ظن أن المعصية هي الفاحشة فقط، ما علم أن نفس النظر بشهوة يحرم، ومحا عن نفسه أثر الطبع بدعواه الت تكذبها شهوة النظر.
13
وروى بسنده أن بعضهم قال: قلت لأبي الكميت الأندلسي وكان جوالا في أرض الله: حدثني بأعجب ما رأيت من الصوفية فقال: صحبت رجلا منهم يقال له مهرجان، وكان مجوسيا فأسلم وتصوف، فرأيت معه غلاما جميلا لا يفارقه، وكان إذا جاء الليل قام فصلى ثم ينام إلى جانبه، ثم يقوم فزعا فيصلى ما قدر له، ثم يعود فينام إلى جانبه، حتى فعل ذلك مرارا، فإذا أسفر الصبح أو كاد يسفر أوتر، ثم رفع يديه وقال: اللهم إنك تعلم أن الليل مضى علي سليما لم أقترف فيه فاحشة، ولا كتبت علي فيه الحفظة معصية، وأن الذي أضمره بقلبي لو حملته الجبال لتصدعت، أو كان بالأرض لتدكدكت، ثم يقول: يا ليل اشهد بما كان مني فيك، فقد منعني خوف الله عن طلب الحرام، والتعرض للآثام، ثم يقول: سيدي! أنت تجمع بيننا على تقى، فلا تفرق بيننا في يوم تجمع فيه الأحباب! فأقمت معه مدة طويلة أراه يفعل ذلك في كل ليلة، وأسمع هذا القول منه. فلما هممت بالانصراف من عنده قلت له: سمعتك تقول إذا انقضى الليل كذا وكذا فقال: وسمعتني؟ قلت: نعم! قال: فو الله يا أخي إني لأداري من قلبي ما لو داراه سلطان من رعيته لكان الله حقيقا بالمغفرة له، فقلت: وما الذي يدعوك إلى صحبة من تخاف على نفسك العنت من قبله؟