تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشعراء الصبوات هم ألسنة أرباب العوارف الروحية، وقد سمع أبو الفتح الأعور الصوفي هذا البيت:

وجهك المأمول حجتنا

يوم يأتي الناس بالحجج

فتواجد وصاح ودق صدره إلى أن أغمي عليه وسقط، فلما انقضى المجلس حركوه فوجدوه ميتا، فغسلوه ودفنوه.

وهذا البيت الذي قتل رجلا صوفيا هو من قطعة لرجل فاجر هو عبد الصمد بن المعذل الذي يقول:

يا بديع الدل والغنج

لك سلطان على المهج

إن بيتا أنت ساكنه

غير محتاج إلى السرج

وجهك المأمول حجتنا

يوم يأتي الناس بالحجج

قال ابن أبي حجلة: «والصوفية إذا قالوا: وجهك المأمول حجتنا نقلوه إلى ما لهم في ذلك من المعاني».

6

ونقل الأنطاكي قول البهاء زهير في هجر الدلال:

عتب الحبيب فلم أجد

سببا لذاك العتب حادث

ما كنت أعلم أنه

ممن تغيره الحوادث

ثم قال: وفي هذا الاصل كلام للعارفين، وكل يأخذ ما يناسبه من الإشارات، والبهاء زهير لا يكثر عليه مثل هذا، فلقد سمعت مولانا عارف الوقت الشيخ شمس الدين البكري أدام الله مدده يقول: إنه كان إماما عارفا، أو ذا لسان عارف».

7

فالبهاء زهير على هذا عارف القلب أو عارف اللسان؛ أي إنه يتكلم فيعبر عن المعاني الروحية بألفاظ حسية، وكل الشعراء ذلك الرجل إن شاء الصوفية.

وقد يروق لهم أن يتعقبوا أخيلة الحسيين بالنقد والتجريح، كالذي وقع لهم في لوم من ينام في غيبة حبيبه ليرى طيف الخيال؛ إذ قالوا: إن تخصيص النوم بأنه يريهم أحبتهم نقص بين في مودتهم، فإن الحال إذا تمكنت لم تفترق الروحان وإن افترق الشخصان، فالمحب المشاهد لصاحبه على كل حال مستغن عن الاستعانة على إحضاره برؤية الخيال».

8

وكيف تحتاج هذه اللمحة إلى تقييد، ونحن نرى جمهور المؤلفين في الحب والمحبين لا يخلون من نزعة صوفية، فابن داود صاح الزهرة، وابن حزم صاحب طوق الحمامة، وابن القيم صاحب الروضة، والأنطاكي صاحب تزيين الأسواق، كل أولئك فيهم نفحات صوفية، والجمع بين النزعة الحسية والروحية يظهر لهم من الأمور التي لا تحتاج إلى جدل ولا تأويل.

ولابن القيم في هذا مذهب طريف؛ فهو يذكر الأدب في الصبوة الحسية ثم يؤيده بالأدب في العلاقة الروحية كأن يقول: ومن علامات الحب إغضاؤه عند نظر محبوبه إليه، ورميه بطرفه نحو الأرض، وذلك من مهابته له، وحياته منه، وعظمته في صدره؛ ولهذا يستهجن الملوك من يخاطبهم وهو يحد النظر إليهم، بل يكون خافض الطرف إلى الأرض، قال تعالى مخبرا عن كمال أدب رسوله في ليلة الإسراء:

ما زاغ البصر وما طغى ، وهذا غاية الأدب؛ فإن البصر لم يزغ يمينا ولا شمالا، ولا طمح متجاوزا إلى ما هو رائيه، ومقبل عليه كالمتشارف إلى ما وراء ذلك؛ ولهذا اشتد نهي النبي

صلى الله عليه وسلم

للمصلي أن يزيغ بصره إلى السماء ... الخ.

9

وكان يقول: ومن علامات المحبة كثرة ذكر المحبوب واللهج بذكره وحديثه، فمن أحب شيئا أكثر من ذكره بقلبه ولسانه، ولذلك أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع الأحوال، وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون فقال تعالى:

يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ، والمحبون يفتخرون بذكر أحبابهم وقت المخاوف وملاقاة الأعداء، كما قال:

ذكرتك والخطي يخطر بيننا

وقد نهلت منا المثقفة السمر

وفي بعض الآثار الإلهية: إن عبدي كل عبدي يذكرني وهو ملاق قرنه؛ فعلامة المحبة الصادقة ذكر المحوب في الرغب والرهب، كما قال بعض المحبين في محبوبته:

يذكرنيك الخير والشر والذي

أخاف وأرجو والذي أتوقع

10

تأييد الحب الحسي بالمعاني الدينية

قلت: إن أكثر الصوفية عرفوا الحب الحسي في مطلع الشباب، فلأذكر أن هذا هو السر في التباس الأمر على فريق منهم عند التفرقة بين الشهوات الحسية والمعنوية، فظلوا يحنون إلى الجمال المحسوس، بحجة أنه يقربهم إلى الجمال المعقول «وإنما تسترت هذه الطائفة لهواها وشهواتها، وأوهمت أنها تنظر عبرة واستدلالا، حتى آل ببعضهم الأمر إلى أن ظنوا أن نظرتهم عبادة؛ لأنهم ينظرون إلى الجمال الإلهي، ويزعمون أنا الله سبحانه وتعالى عن قول النصارى يظهر في تلك الصورة الجميلة، ويجعلون هذا طريقا إلى الله، كما وقع فيه طوائف كثيرة ممن يدعي المعرفة والسلوك».

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٠٦