تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولست أدري كيف يعسر على من يعيشون عيش الصخب والضجيج أن تكون لهم جوانب روحية يخلون إليها من وقت إلى وقت ليتنسموا روح الأنس والصفاء في ظلال المودة والإخاء الأمين!

| الحب الحب الحب!

بداية الصوفية في الحب

يجب أن يكون عنوان هذا الفصل على هذه الصورة، فما أعرف كلمة من أسماء المعاني شغلت الصوفية كما شغلتهم كلمة الحب، ويكفي أن نتذكر أن أناشيد الصوفية تدور كلها حول الحب، وأن التصوف لا يصلح إلا بفضل الحب، ولا يفسد إلا بسبب الحب؛ فالحب هو الأول والآخر في حياة أولئك الناس.

وأغلب الظن عندي أن الصوفية ابتدأوا حياتهم بالحب الحسي، ثم ترقوا إلى الحب الروحي، والانتقال من حب الجمال إلى التصوف معقول؛ ولا سيما في حالة الحرمان من المحبوب، والحرمان قد يكون من آثار التصون والتجمل والعفاف، ثم يصير بأصحابه إلى الضعف فلا ترى منهم غير الأنين والحنين، وكذلك كان العذريون فهم في الأغلب ضعفاء، والضعف الحسي هو بداية الإقبال على المعاني الروحية في أكثر الأحوال.

1

وتمرس الصوفية بالحب في مطلع الشباب هو السر فيما يظهر عليهم من معاني الظرف، وقد حدثوا أن حد تلامذة ابن جابر الإشبيلي قال لغلام جميل الصورة: بالله أعطني قبلة تمسك رمقي. فشكاه الغلام إلى الشيخ وقال له: يا سيدي، قال لي هذا كذا. فقال له الشيخ: وأعطيته ما طلب؟ فقال: لا. فقال الشيخ: فما هذه الثقالة؟ ما كفاك أن حرمته حتى تشتكي به أيضا؟!

2

وكان ابن جابر هذا من المعروفين بالزهد والصلاح.

وخرج أبو حازم الصوفي يرمي الجمار ومعه قوم متعبدون وهو يكلمهم ويحدثهم ويقص عليهم، فإذا هو بامرأة حاسر قد فتنت الناس بحسن وجهها وألهتهم بجمالها، فقال لها: يا هذه، إنك بمشعر حرام، وقد فتنت الناس وشغلتهم عن مناسكهم؛ فاتقي الله واستتري، فإن الله عز وجل يقول في كتابه العزيز:

وليضربن بخمرهن على جيوبهن . فقالت: يا أبا حازم، إني من اللاتي قال فيهن الشاعر:

أماطت كساء الخز عن حر وجهها

وأرخت على المتنين بردا مهلهلا

من اللاء لم يحججن يبغين حسبة

ولكن ليقتلن البريء المغفلا

فقال أبو حازم لأصحابه: تعالوا ندع الله لهذه الصورة الحسنة ألا يعذبها الله بالنار. فجعل أبو حازم يدعو وأصحابه يؤمنون، فبلغ ذلك الشعبي فقال: ما أرقكم يا أهل الحجاز وأظرفكم! أما والله لو كان من قرى العراق لقال: اعزبي عليك لعنة الله!

3

ونحن نرى ذلك ظرفا صوفيا قبل أن يكون ظرفا حجازيا.

والصوفية أنفسهم يعرفون محنتهم بالعلاقات الغرامية وفيهم من يعتذر بأن الهوى لم يغز قلوبهم إلا لحكمة إلهية فيقول:

إن الله جل ثناؤه إنما امتحن الناس بالهوى ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه، وليشق عليهم سخطه ويسرهم رضاؤه، فيستدلوا بذلك على قدر طاعة الله عز وجل؛ إذ كان لا مثل له ولا نظير، وهو خالقهم غير محتاج إليهم، ورازقهم مبتدئا غير ممتن عليهم، فإن أوجبوا على أنفسهم طاعة من سواه كان هو تعالى أحرى بأن يتبع رضاه.

4

ظرف الصوفية

وهم يقيسون الحب الروحي بالحب الحسي، ويقولون: إذا استولى الحب أدهش عن إدراك الألم، والتجربة أعدل شاهد على ذلك، ويذكرون أن سمنون المحب قال: كان في جوارنا رجل له جارية يحبها غاية الحب، فاعتلت، فجلس الرجل يصنع لها حيسا، فبينا هو يحرك ما في القدر إذ قالت الجارية: آه. فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده، وجعل يحرك ما في القدر بيده حتى تساقط لحم أصابعه، وهو لا يحس بذلك.

قال العاملي - وهو من أنصار الصوفية - فهذا وأمثاله قد يصدق به في حب المخلوق، والتصديق به في حب الخالق أولى؛ لأن البصيرة الباطنة أصدق من البصر الظاهر، وجمال الحضرة الربوبية أوفى من كل جمال، فإنه الجمال الخالص البحت، وكل جمال في العالم فهو مختلط ناقص.

5

بين النوازع الحسية والعواطف الروحية

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٠٥