تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يقال إن ناسا تصاولوا في ميادين الأدب والسياسة ثم ظلوا أصدقاء وهذا صحيح، ولكن من يضمن سلامة القلوب من الندوب التي يورثها الجدل العنيف؟ هؤلاء لم يظلوا أصدقاء على نحو ما كانوا في سال العهد، ولكنهم يتجملون فيخفون العتب ويظهرون الوداد.

ترك الخلاف

ولا يكتفي الصوفية بتقبيح المماراة، بل يوصون بترك الخلاف، وكل صاحب تقول له: قم بنا، ويقول إلى إين؟ فليس بصاحب

20

والخلاف أصل كل فرقة، وهي لطيفة الشيطان في افتراق المتحابين في الله.

20

وقال أبو سعيد الخراز: صحبت الصوفية خمسين سنة ما وقع بيني وبينهم خلاف، فقيل له: وكيف ذاك؟ فأجاب: لأني كنت معهم على نفسي.

20

الوفاء في الحياة وبعد الممات

والوفاء من شروط الإخاء، وهو أن يكون الرجل لصديقه في غيبته ومن حيث لا يعلم ولا يبلغه مثل ما كان له في شهوده ومعاشرته، ويكون له بعد موته ولأهله من بعده كما كان له في حياته، وكان من الصالحين من يخلف أخاه في عياله بعد موته أربعين سنة لا يفقدون إلا وجهه، ويقال: إن مسروقا ادان دينا ثقيلا وكان على أخيه خيثمة دين، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق سرا وهو لا يعلم. فمن حقيقة المؤاخاة في الله عز وجل إخلاص المودة بالغيب والشهادة، واستواء القلب مع اللسان، واعتدال السر مع العلانية في الجماعة والخلوة، فإذا لم يختلف ذلك فهو إخلاص الأخوة، وإن اختلف ففيه مداهنة في الأخوة، وممازقة في المودة، وذلك دخل في الدين، ولا يكون مع حقيقة الإيمان.

21

والصوفية لا يبذلون المودة لجميع الناس؛ فلا تصح مؤاخاة مبتدع في الله تعالى، ولا محبة فاسق على فسوقه، ولا محبة فقير أحب غنيا لأجل دنياه، وقد تصح الأخوة بين العالم والجاهل، وبين الصالح والطالح، إذا صحت النية، وكان للعالم رجاء في تعليم الجاهل، وللصالح أمل في تقويم الطالح.

22

وقال سهل بن عبد الله: اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس: الجبابرة الغافلين، والقراء المداهنين، والمتصوفة الجاهلين.

23

ومع هذا التحرز يوصون عند المحبة بالقصد في الحب كما يوصون عند العداوة بالقصد في البغض، عملا بما روي عن علي: أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما، وتأدبا بقول عمر بن الخطاب: لا يكن حبك كلفا، وبغضك تلفا، وقول أسلم في تفسيره: إذا أحببت فلا تكلف كما يكلف الصبي بالشيء يحبه، وإذا أبغضت فلا تبغض بغضا تحب أن يتلف به صاحبك ويهلك.

24

الصوفية لا يبذلون المودة لجميع الناس

والمحبة عند الصوفية عمل، وكل عمل يحتاج إلى حسن خاتمة، فمن لم يحسن عاقبة الصحبة أدركه سوء الخاتمة، وبطل عنه ما كان عليه قبل ذلك.

25

القصد في الحب والبغض

فإن سأل القارئ: كيف تفرد الصوفية بإطالة القول في أدب الأخوة؟ فإنا نجيب بأن فراغ حياتهم من الشواغل المادية مال بهم إلى الإكثار من الكلام عن الشواغل المعنوية، والرجل الخلي البال من هموم المعاش يجد متسعا من الوقت لتأمل آداب الصحبة والألفة ومعاملة الرجال، أما الذين تكثر شواغلهم الدنيوية فينصرفون عن النوازع الوجدانية، ولا يلتفتون إلى دقائق الخواطر والإشارات فيما يتصل بأدب التودد إلى الناس.

كيف تفرد الصوفية بإطالة القول في أدب الأخوة

يضاف إلى هذا أن الصوفية يقفون عند المودة المنزهة عن الأغراض، وهي مودة لا تخلو لها قلوب المشغولين من أهل المنافع، الذين لا يبذلون التحية إلا لغرض مكنون.

وليتذكر القارئ أنا نكتب هذا وخواطرنا موزعة بين أشتات من شواغل الحياة، فلسنا ندرك أغراض الصوفية على نحو ما كانوا يدركون، ومن المؤكد أن علائقهم فيما بينهم كانت تجلب إليهم ضروبا من المتع والمسرات لا تتيسر لمن يقفون في ألفتهم عند الحدود الرسمية والمعاشية.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٢٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٢٠٤