14
ومن واجب الرجل أن يصبر لأخيه، ويشكر له، ويحلم عنه
15
وليتذكر أن من اقتضى إخوانه ما لا يقتضون منه فقد ظلمهم، ومن اقتضى منهم ما يقتضون منه فقد أتعبهم؛ ومن لم يقتضهم فقد تفضل عليهم.
16
وعليه أن يزور صديقه، وأن يشيعه حين يتفضل بزيارته، وأن يسأل عنه حين يغيب، فقد كان عطاء يقول: تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى فعودوهم، وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم، وإن نسوا فذكروهم.
17
أدب الصديق
ومن الأدب أن يسكت الرجل عن ذكر عيوب الصديق في غيبته وحضرته، وأن يسكت عن التجسس والسؤال عن أحواله، وإذا رآه في طريق أو حاجة لم يفاتحه بذكر غرضه من مصدره ومورده، ولا يسأله عن وجهته، فقد يثقل عليه ذلك أو يحتاج إلى أن يكذب فيه، ومن الأدب أن يسكت عن أسراره التي بثها إليه، ولا يبثها إلى غيره ألبتة، ولا إلى أخص أصدقائه، ولا يكشف شيئا منها ولو بعد القطيعة، فإن ذلك من لؤم الطبع، وأن يسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده، وأن يسكت عن حكاية قدح غيره فيه. ولا ينبغي أن يخفى ما يسمع من الثناء عليه، فإن السرور به يحصل أولا من المبلغ ، ثم من القائل، وإخفاء ذلك من الحسد، وخلاصة القول أنه يحسن السكوت عن كل كلام يكرهه الصديق جملة وتفصيلا، إلا إذا وجب عليه النطق في أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، ولم يجد رخصة في السكوت.
18
وهذه الآداب تدل على بصر الصوفية بأسرار النفوس، فالمرء يحب بفطرته أن يحتفظ بأشياء كثيرة من شؤونه الشخصية، ويسوءه أن يتعقب أسراره أخ أو صديق، ومن الناس من يظن أن الصداقة تعطيه الحق في أن يعرف تفاصيل ما أنت عليه في شؤونك الوجدانية والمعاشية، ويرى من سوء الرعاية أن تطوي عنه بعض أخبارك، ومنهم من يتوهم أن الأدب يفرض عليه أن ينقل إليك ما يهمس به أعداؤك وحاسدوك، وينسى أن لذلك عواقب بعضها خطر وبعضها قبيح، فقد تتأرث بذلك عداوات كانت خمدت، وقد يفل ذلك من عزم الصديق فيقتل حيويته ويصده عن الكفاح المشروع، ومن الأصدقاء من يحسب أن من حقه أن يتعرض بالنقد والملام لأحبابك وأهلك وأبنائك، وتلك ضروب من الفضول لا يقع فيها رجل حصيف.
ترك المماراة
وقد اهتم الصوفية اهتماما خاصا بتقبيح المماراة والمدافعة في كل ما يتكلم به الصديق، وحدثوا أن الرسول قال: من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بنى له بيت في أعلا الجنة. هذا مع أن تركه مبطلا واجب، وقد جعل ثواب الفضل أعظم لأن السكوت عن الحق أشد على النفس من السكوت عن الباطل. وعلى الجملة فلا باعث على المماراة إلا إظهار التميز بمزيد العقل والفضل. واحتقار المردود عليه بإظهار جهله، وهذا يشتمل على التكبر والاحتقار والإيذاء والشتم بالحمق والجهل، ولا معنى للمعاداة إلا هذا.
19
وأشهد أن هذا الأدب من خير ما دعا إليه الصوفية، وقد غفلت عنه في حياتي الأدبية فأضعت جميع أصدقائي، وأكاد أحكم بأن حملة الأقلام في عصرنا هذا قل أن يبقى لهم صديق، فباسم حرية الرأي، وحرية النقد، وحرية النشر، وحرية القول تقع كلمات وعبارات تأتي على المودة من الأساس.
ولا أنكر أن في الجدل والمماراة فوائد تعليمية، وباسم هذه الفوائد ترتكب من الشطط ما لا يباح، ولكن لا يمكن نكران ما في انهدام صروح المودات من الخسران المبين.
وأذكر أني قمت وأنا طالب في الجامعة المصرية فماريت طالبا ألقى درسا من دروس التمرين، وكانت مماراة عنيفة غضب لها الأستاذ الدكتور منصور فهمي وأقبل يعاتبني في قسوة، فقلت: إني لا أضمر سوءا لهذا الطالب فهو صديقي، فقال الأستاذ: ما هكذا يعامل الصديق الصديق!
ولو تأدبنا بأدب الصوفية في ترك المماراة لما شاهدنا كل يوم مصرعا في الحياة السياسية والاجتماعية، ففي أكثر الأحزاب يشب الخلاف وتتقد نيران المماراة، ثم تصل إلى الصحف فيضيف لها اللغط وقودا إلى وقود، وما هي إلا أيام حتى تستفحل العداوات بين أصدقاء كان تآلفهم مضرب الأمثال.