أما الستر فهو من أخلاق الكرام بين الرجال، وهو عنوان النبل والدين وله مزايا كثيرة:
فهو أولا دليل على الرفق، ومن واجب المؤمن أن يستر عورة أخيه، وأن ينصحه في السر لا في العلانية، وهو ثانيا شاهد على نزاهة النفس؛ لأن إظهار السخط على المذنبين يرجع في أكثر الأحوال إلى شهوة خفية هي حب التسلط والاستعلاء.
فإن لم يكن بد من الغضب على المذنبين فليكن ذلك في حدود العقل، فإن كانت الذنوب متصلة بالمصالح الاجتماعية والمعاشية بذل الناصح جهده ليجمع بين الفضيلتين: إنقاذ المذنب بالنصح، والسعي الرزين لسلامة ما يتصل بأعماله من شؤون المعاش، وإن كانت الذنوب واقعة في حدود التكاليف الذاتية التي يوجبها الشرع فمن الأدب أن نترك حساب ذلك لعلام الغيوب.
وليس معنى هذا أنا نقول بترك الناس يذنبون كيف يشاءون، لا، ولكنا نقول بكف عادية الناصحين، فأكثر النصح ظلم وعدوان، ومن أدعياء الأخلاق من يختلق لخصومه طوائف من المساوئ والعيوب، ثم يمضي فيلبس ثياب الأتقياء، وينقلب إلى واعظ يبكي على الفضيلة بدموع التماسيح. وأمثال هؤلاء تروج دعواتهم، ويمسون ولهم سوق في عالم الأراجيف، وقد يفسد الزمن فيكون لمفترياتهم صوت مسموع، وفي الدنيا شهداء راحوا ضحية هذه الدعاوى الباطلة، دعاوى الحرص على الفضيلة والأخلاق، وبدعوى الفضيلة والخلق تنتهب حقوق، وتضيع على أهلها حقوق.
وهذا الذي نقول به تنبه له كبار الصوفية، فقد كان الرجل إذا كره من أخيه خلقا عاتبه فيما بينه وبينه، أو كاتبه في صحيفة. قال المكي: وهذا لعمري فرق بين النصيحة والفضيحة، فما كان في السر فهو نصيحة، وما كان في العلانية فهو فضيحة، وقلما تصح فيه النية لله تعالى؛ لأن فيه شناعة.
12
وقد أفصح الغزالي عن ذلك حين قال:
وروى في الإسرائيليات أن أخوين عابدين كانا في جبل، ونزل أحدهما ليشتري من المصر لحما بدرهم، فرأى بغية عند اللحام فرمقها وعشقها واجتذبها إلى خلوة فواقعها، ثم أقام عندها ثلاثا، واستحيا أن يرجع إلى أخيه حياء من جنايته، فافتقده أخوه واهتم بشأنه، فنزل إلى المدينة فلم يزل يسأل عنه حتى دل عليه، فدخل إليه وهو جالس معها فاعتنقه وجعل يقبله ويلتزمه، وأنكر الآخر أنه يعرفه لفرط استحيائه منه، فقال: قم يا أخي؛ فقد علمت شأنك وقصتك، وما كنت قط أحب إلي ولا أعز من ساعتك هذه. فلما رأى أن ذلك لم يسقطه من عينه قام فانصرف معه.
قال الغزالي: فهذه طريقة قوم، وهي ألطف وأفقه من طريقة أبي ذر رضي الله عنه، وطريقته أحسن وأسلم. فإن قلت: ولم قلت هذا ألطف وأفقه ومقارف هذه المعصية لا تجوز مؤاخاته ابتداء، فتجب مقاطعته انتهاء؛ لأن الحكم إذا ثبت بعلة فالقياس أن يزول بزوالها، وعلة عقد الأخوة التعاون في الدين، ولا يستمر ذلك مع مقارفة المعصية؟ فأقول: أما كونه ألطف فلما فيه من الرفق والاستماله والتعطف المفضي إلى الرجوع والتوبة لاستمرار الحياء عند دوام الصحبة ، ومهما قوطع وانقطع طمعه في الصحبة أصر واستمر، وأما كونه أفقه فمن حيث أن الأخوة عقد ينزل منزلة القرابة، فإذا انعقدت تأكد الحق، ووجب الوفاء بموجب العقد، ومن الوفاء به أن لا يهمل أيام حاجته وفقره، وفقر الدين أشد من فقر المال، وقد أصابته جائحة، وألمت به آفة افتقر بسببها في دينه، فينبغي أن يراقب ويراعى ولا يهمل، بل لا يزال يتلطلف به ليعان على الخلاص من تلك الواقعة التي ألمت به، فالأخوة عدة للنائبات وحوادث الزمان، وهذا من أشد النوائب، والفاجر إذا صحب تقيا وهو ينظر إلى خوفه ومداومته فسيرجع على قرب، ويستحيي من الإصرار، بل الكسلان يصحب الحريص في العمل فيحرص حياء منه.
13
فضل الصفح والإغضاء
وعلى الصديق أن يعاتب صديقه إذا جد ما يوجب ذلك، فمعاتبة الصديق خير من فقده