9 » فقد جاء في الأثر أن رجلا زار أخا في الله في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا فقال: أين نريد؟ قال: أردت أخا لي في هذه القرية. قال: هل بينك وبينه رحم تصلها، أو له عليك نعمة تربها؟ قال: لا، إلا أني أحببته في الله تعالى، قال الملك: فإني رسول الله إليك، إن الله تبارك وتعالى قد أحبك كما أحببته فيه.
9
والحب في الله يوجب التزاور والتباذل والتصافي. ولقاء الإخوان له لذة تعدل الصلاة في جماعة والتهجد من الليل.
10
وهذا النوع من المودة هو أفضل وأشرف ما يقع بين الناس من العلاقات الوجدانية.
كيف نعامل الصديق المذن
ومن واجب المؤمن أن يرعى حرمة الصداقة، وأن يتأسى بالدعاء المأثور «يا من أظهر الجميل، وستر القبيح، ولم يؤاخذ بالجريرة، ولم يهتك الستر »،
10
فيظهر حسنات إخوانه، ويستر مساويهم، ويتجاوز عن سيئاتهم ويسدل الستر على ما يقعون فيه من خطايا وهفوات.
وقد اختلف مذهب الصحابة في الأخ يحب أخاه في الله، ثم ينقلب الآخر عما كان عليه، هل يبغضه بعد ذلك؟ فكان أبو ذر يقول: إذا انقلب عما كان عليه وتغير فأبغضه من حيث أحببته، وكان أبو الدرداء يقول بخلاف ذلك، وقد حدثوا أن شابا غلب على مجلسه حتى أحبه أبو الدرداء، فكان يقدمه على الأشياخ ويقربه فحسدوه، وأن الشاب وقع في كبيرة من الكبائر فجاءوا إلى أبي الدرداء وحدثوه وقالوا: لو أبعدته! فقال: سبحان الله ! لا نترك صاحبنا لشيء. وقال بعض التابعين في مثله: إنما أبغض عمله وإلا فهو أخي. وكذلك قال الله عز وجل لنبيه في عشيرته:
فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون
ولم يقل: قل إني بريء منكم للحمة النسب، وقد قيل للصداقة لحمة كلحمة النسب. وكان أبو الدرداء يقول: إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى، وكان يقول: داو أخاك، ولا تطع فيه حاسدا فتكون مثله. وقال إبراهيم النخعي: لا تقطع أخاك، ولا تهجره عند الذنب فإنه يركبه اليوم ويتركه غدا. وقال أيضا: لا تحدثوا الناس بزلة العالم، فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها، وروى عن الرسول أنه قال: شرار عباد الله المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب.
11
فالرأي الأول يقول بقطيعة المذنب، وله وجه، أما الرأي الثاني فهو غاية في التسامح، وهو رأي حكيم؛ لأن مقاطعة المذنبين تغريهم بالإثم، وتزين لهم الفسوق، وتملأ صدورهم بالحقد على الصالحين، وتلك جراثيم لفساد الأخلاق.
والرجل الصالح حقا هو الذي يعرف ضعف النفس الإنسانية، ويعرف كيف يسوس المذنبين فينقلهم من الغي إلى الرشد، ويغنمهم لحزب الهدى بعد أن غنمهم الشيطان مرة لحزب الضلال.
ولكن هذه النظرة الحكيمة ليست من حظ جميع الصوفية، وإنما هي من حظ أشرافهم الذين أغنتهم نفوسهم عن كسب الشرف المزيف الذي يجتلب باسم الغيرة على الخلق والدين.
والرجل النافع هو الذي يفكر عند أول وهلة في إنقاذ من زلت قدمه، ولا يشغل نفسه عن الواجب بترديد الصياح والصراخ.
وعند هذه النقطة الدقيقة تزل أقدام كثير ممن يتحدثون عن الأخلاق فأكثر أهل الغيرة لا يغارون إلا على منافعهم الذاتية، ومن منافعهم أن تسمع أصواتهم باستنكار الإثم والفسوق!
وللشيطان في هذه المزالق حيل شيطانية! فهو يخيل للناس أن من واجبهم أن يصيحوا ويصرخوا، وأن من التهاون أن يسكتوا عن منكر رأوه بأعينهم، أو ترامت أخباره إليهم، وكذلك ينطلقون فيضيفون إثما إلى إثم، وعدوانا إلى عدوان.
ولا سبيل إلى قهر الشيطان إلا بالموازنة بين الحالين: حال الغضب، وحال الستر. فالذي يعلن غضبه حين يذنب أخوه يستطيع أن يضمن رضا العامة، ولكنه قد يبعد من رضا الله؛ لأن إعلان الغضب قد يجر على أخيه المذنب مصائب أدبية واجتماعية، ويعرض رزقه ورزق أهله للضياع، إذا كان ممن يعيشون بمعاملة الناس، وإعلان الغضب قد ينتهي إلى التشهير، ولذلك عواقب وخيمة لا يستهين بها إلا الغافلون. وحين ينتهي الغضب المطبوع أو المصنوع إلى مثل هذه الحال فهو بلا ريب من الكبائر عند من يفهمون دقائق الأخلاق.