وباب الأخوة والصحبة في مؤلفات الصوفية باب نفيس نود لو أخذت منه صورة للمطالعة في المدارس الثانوية، ففيه من الحكم والأمثال والأقاصيص نكت بديعة تمتع العقل والروح. وفيما كتب الصوفية عن أدب الأخوة ما يكفي لتوجيه النفوس إلى الاقتناع بأن الأخوة مشكلة أخلاقية، وأنها جديرة بأن تكون مما يضوع في الموازين عند تقويم ملكات الرجال.
الأخوة عمل ينفع
وأعجب ما تنبهت له من كلام الصوفية ما قيل: إن الأخوين في الله عز وجل إذا كان أحدهما أعلا مقاما من الآخر رفع الآخر معه إلى مقامه، وأنه يلحق به كما تلحق الذرية بالأبوين والأهل بعضهم ببعض؛ لأن الأخوة عمل كالولادة.
1
الأخوة عمل كالولادة؟ هذا والله عجيب، وهو يدلنا على فهمهم للمشقات التي يعانيها من ينشئون الأخوات، فالمودة في تصورهم تحتاج إلى ضروب من السياسة العملية لا يصبر عليها إلا الراشدون، والذي يرعى صديقه لا يقل جهدا عن الذي يرعى ولده، وله من رعاية الصداقة أجر في الآخرة يساوي أجره في رعاية الأهل والأطفال.
من هو الصديق في عرف الصوفية؟
ولكن من هو الصديق في عرف الصوفية؟
هو الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله عز وجل، فلا تصحب الفاجر فتعلم فجوره، ولا تطلعه على سرك. وليكن صاحبك من إذا خدمته صانك، وإن قعدت بك مؤونة مانك، وإن مددت يدك بخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى منك سيئة سدها، وإن سألته أعطاك، وإن سكت ابتداك، وإن نزلت بك نازلة واساك، وإن قلت صدق قولك، وإن تنازعتما آثرك، إن صديقك هو من يسد خللك، ويستر زللك، ويقبل عللك. ومن حق الصديق عليك أن تتجاوز له عن ثلاث: عن ظلم الغضب، وظلم الهفوة، وظلم الدالة.
2
ذلك هو الصديق في عرف الصوفية، فهو أولا رجل يخاف الله، وهو ثانيا رجل مواس ألوف، كثير الصفح، وافر الحياء.
الأخ والصديق
وهذا الصديق أخ لك لم تلده أمك، والقرابة تحتاج إلى مودة، أما المودة فلا تحتاج إلى قرابة، وقد قيل لحكيم بن مرة: أيما أحب إليك، أخوك أم صديقك؟ فقال: إنما أحب أخي إذا كان صديقا،
3
وقال أكثم ابن صيفي: يا بني، تقاربوا في المودة، ولا تتكلوا على القرابة،
4
وكان عبد الله بن الحسن البصري يعرف إخوان الحسن إذا جاءوه لطول لبثهم عنده، ولشدة شغله بهم، فيقول لهم: لا تملوا الشيخ! فكان الحسن إذا علم ذلك يقول: دعهم يا لكع، فإنهم أحب إلي منكم، هؤلاء يحبوني لله عز وجل، وأنتم تريدوني للدنيا
5
وكان الحسن وأبو قلابة يقولان: إخواننا أحب إلينا من أهلينا وأولادنا؛ لأن أهلينا يذكرونا الدنيا وإخواننا يذكرونا الآخرة.
6
فأساس العلاقة هو العمل الصالح لا المنافع الدنيوية، وأخوة القرابة عديمة القيمة إذا عريت من أخوة المودة، وهذه نظرة سليمة تصلح لجميع الناس في كل زمان ومكان.
الحب في الله
وأصل الحب أن يكون في الله، وقد روي عن النبي أنه قال: ينصب لطائفه من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة، ووجوهم كالقمر ليلة البدر، يفزع الناس وهم لا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون، وهم أولياء الله عز وجل الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فقيل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فقال: هم المتحابون في الله عز وجل. ورواه أبو هريرة فقال فيه: إن حول العرش منابر من نور، عليها قوم لباسهم نور، ووجوههم نور، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء، فقالوا: يا رسول الله، صفهم لنا، فقال: هم المتحابون في الله عز وجل، والمتجالسون في الله تعالى، والمتزاورون في الله تعالى
7
وهؤلاء المتحابون في الله إذا التقوا فهش بعضهم إلى بعض تتحات عنهم الخطايا كما يتحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس
8
والمتآخيان في الله يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
8
ومن شرط المحبة في الله: «أن لا تكون لرحم يصلها، أو لنعمة يربها