ومن الخير أن نشير إلى أن من الصوفية من لم يفته الترغيب في الزواج، وإن كان نفر منه المريدين، فقد حدث المكي أن بشر بن الحارث كان يقول في أحمد بن حنبل: فضل علي بثلاث: بطلب الحلال لنفسه ولغيره وأنا أطلب الحلال لنفسي، واتساعه للنكاح وضيقي عنه، وقد جعل إماما للعامة وأنا أطلب الوحدة لنفسي. ونقل أن بشر بن الحارث رؤى في المنام بعد وفاته فسئل عن حاله فقال: رفعت سبعين درجة في عليين، وأشرف بي على مقامات الأنبياء، ولم أبلغ منازل المتأهلين،
12
وأنه قال: وعاتبني ربي عز وجل فقال: يا بشر، ما كنت أحب أن تلقاني عزبا، وأن صاحب الرؤيا قال له: ما فعل أبو نصر التمار؟ فقال: رفع فوقي سبعين درجة، فقال الحالم: بماذا؟ فقال: بصبره على بناته والعيال.
13
ومضى فحدث أن ابن مسعود كان يقول: لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام أموت في آخرها لأحببت أن أتزوج ولا ألقى الله عز وجل وأنا عزب، وأن رسول الله قال: تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، حتى بالسقط والرضيع.
13
وحدث أيضا أن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزوج فيأباه برهة من دهره، فانتبه من نومه ذات يوم فقال: زوجوني! فسئل عن سبب ذلك فقال: رأيت في نومي كأن القيامة قد قامت وكنت في جملة الخلائق في الموقف وبي من العطش ما يكاد يقطع عنقي، وكذلك الخلائق في شدة العطش من الحر والشمس والكرب. قال: فبينا نحن كذلك إذ الولدان يتخللون الجمع عليهم مناديل من نور، وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب، وهم يسقون الواحد بعد الواحد، ويتخللون الجمع ويجاوزون أكثر الناس. قال: فمددت يدي إلى أحدهم فقلت: اسقني شربة فقد أجهدني العطش. فقال: ليس لك فينا ولد، إنما نسقي آباءنا. فقالت: ومن أنتم؟ فقالوا: نحن من مات من أطفال المسلمين.
14
ورواية أمثال هذه الأخبار هي دعوة إلى الزواج، وهذه الأحلام نفسها تدل على أن من الصوفية من كان يشعر بأهمية الزواج من الوجهة الدينية.
ولنقيد ما تنبه إليه أحدهم من فضيلة الصبر على البنات والعيال، فهي لمحة تدل على بصر بعزائم الأمور في عالم الأخلاق.
على أن الصوفية في زواجهم وعزوبتهم ينتهون إلى غاية واحدة هي الفناء، والرجل الجائع الخامد يعسر عليه أن يأتي بنسل متين، وما نظن الرسول يكاثر بالأنباء الضعفاء، إنما يكاثر بالذرية القوية التي تحفظ الثغور وتقيم الحصون، وهؤلاء لا ينجبهم إلا من يعرفون قوة الجسم قبل أن يعرفوا صفاء الروح، وذخيرة الأمم في العوام لا في الخواص.
| أدب الأخوة
اهتمام الصوفية بالأخوة
اهتم الصوفية بالأخوة أبلغ اهتمام، ولم يفرط منهم في بيان آدابها إلا القليل، وهم يرون أنفسهم مسئولين عن رعاية ما سنه الحكماء في مختلف الملل من أدب الصداقة والوداد، فيروون ما أثر عن النصارى واليهود، والفرس والروم، ويتمثلون بكلام الشعراء، وإن لم يكن أولئك الشعراء من المعروفين بالزهد والصلاح.
وقد يستطيع الناقد أن يجد مغمزا في أكثر ما سن الصوفية من شرائع الأخلاق، ولكن ما كتبوه عن أدب الأخوة أمنع من أن يمتد إليه فكر بغمز أو تجريح، فهؤلاء الناس فهموا الصداقة كما ينبغي أن تفهم، وكلامهم فيها كلام من يعرف قيمة الصديق، ولا نبالغ إذا قلنا إن أكثر من كتبوا في آداب المودة عيال عليهم؛ لأن الصوفية يتكلمون عن الألفة كلام من يعتقد أنه سيحاسب يوم القيامة عما قدم في عالم الأخوة والوداد. فلا تسأل أين الجديد في كلامهم عن الصداقة، ولكن انظر إلى الحماسة التي صوروا بها أواصر المودة لترى فضلهم في تعريف الناس بحقائق الإخاء، وليس المهم أن تدعو إلى فكرة، ولكن المهم أن تصل بالفكرة إلى أعماق القلوب.
ولسنا في حاجة إلى تأكيد أهمية الصداقة في الحياة الروحية والاجتماعية، فمشاكل الأفراد والجماعات يرجع أكثرها إلى انفصام عرى المودة بين الناس، ولو عرفت الجماهير كيف تتعامل وكيف تتواد لانعدمت أصول كثيرة من جراثيم الشقاق.