23
فالصوف من لباس الرعاة، وابن أدهم حين جاءه الهاتف ترك فرسه وما معه وتصوف؛ أي: لبس الصوف ليلحق بالزهاد.
24
وقال عبد الله بن شداد: «أربع من كن فيه برئ من الكبر: من اعتقل البعير، وركب الحمار، ولبس الصوف، وأجاب دعوة الرجل الدون»، وهذا الكلام أثبته الجاحظ في البيان والتبيين،
25
وهو يفسر ما نقلناه آنفا من رثاء عمر بن الخطاب للرسول، فقد عد من تواضعه - عليه السلام - ركوب الحمار ولبس الصوف.
ومن كلام ابن الجوزي: «كان الزهد في بواطن القلوب فصار في ظواهر الثياب، كان الزهد حرقة فصار اليوم خرقة، ويحك! صوف قلبك لا جسمك، وأصلح نيتك لا مرقعتك».
26
والصوف في هذا الكلام علامة الزهد.
وذكر الذين يلبسون الصوف عند الحسن فقال: أكنوا الكبر في قلوبهم، وأظهروا التواضع في لباسهم، والله لأحدهم أشد عجبا بكسائه من صاحب المطرف بمطرفه.
27
وفي أخبار الحاكم أنه في سنة أربع مئة لبس الصوف يوم عاشر رمضان وركب الحمار وأظهر النسك.
28
وتلك رجعة إلى سيرة الرسول التي رأيناها آنفا في مرثية عمر بن الخطاب.
وعبر دعبل الجسر ببغداد وأبو سعد واقف على دابته عند الجسر وعليه ثوب صوف مشبه بالخز مصبوغ، فضرب دعبل بيده على فخذه وقال: دعي على دعي.
29
يريد أنه يدعي الجاه بلبس ثوب مشبه بالخز، مع أن ثوبه في الحقيقة من صوف، وهو لباس الفقراء.
وسئل أبو علي الروذباري فقيل له: من الصوفي؟ فقال: من لبس الصوف على الصفا.
30
فلبس الصوف عنده إشارة الزهد ولكنه لا يغني عن الصفاء.
وقيل لأبي الحسين بن سمعون: أيها الشيخ! أنت تدعو الناس إلى الزهد في الدنيا والترك لها، وتلبس أحسن الثياب، وتأكل أطيب الطعام، فكيف هذا؟ فقال: كل ما يصلحك لله فافعله، إذا صلح حالك مع الله بلبس لين الثياب وأكل طيب الطعام فلا يضرك.
31
كأنهم كانوا ينكرون أن يلتئم لين الثياب مع الزهد، أما أخشنها فهو الصوف.
وقال الجنيد: إذا رأيت الصوفي يعنى بظاهره فاعلم أن باطنه خراب.
32
والظاهر هو خشونة الثوب.
وأنشد أبو حيان في جاهل لبس صوفا وزهد فيه:
أيا كاسيا من جيد الصوف نفسه
ويا عاريا من كل فضل ومن كيس
أتزهى بصوف وهو بالأمس مصبح
على نعجة واليوم أمسى على تيس
33
ومعناه أن لبس الصوف لا يغني عند عري النفس عن الفضل والذكاء.
المرقعات في البيئات الصوفية
والواقع أن الصوف كان شارة الزهد، وهو المراد بزي الصوفية الذي وصف به المقري أحد الفقهاء،
34
والذي جعله الغزالي من صفات من يصرف إليهم ما يوصى به للصوفية،
35
وبه يوجه قول ياقوت: «وكان التوحيدي صوفي السمت والهيئة»،
36
والصوف هو «شعار الصالحين» الذي أضافه الثعالبي إلى الكنايات،
37
ومن أجل ثوب الصوف ظن جماعة أن يحيى بن أكثم من الصوفية حين رأوه ولم يعرفوه،
38
ونقل المستر مرجوليوث عن قاموس دوزي من كتاب اسمه رياض النفوس: «رأيت رجلا عليه جبة من صوف فقلت له: يا صوفي».
39
وكلف أبو نواس بغلام نصراني ولم يدر كيف يحتال في أمره «فعمد إلى جبة صوف قصيرة فلبسها، وسروال قصير، ونعل رقيق، وتزيا بزي الزهاد» إلى آخر الحكاية.
40
فالفجرة كانوا يعرفون أن لبس الصوف يدفع عنهم الشبهات.
وكانت الجماهير لا تتمثل الصالحين إلا في الثياب الصوفية، قال الزبيدي نقلا عن كتاب بهجة الناظرين وأنس العارفين: ومما حدثنا به من أدركنا من المشيخة أن الإمام أبا حامد الغزالي لما حضرته الوفاة أوصى رجلا من أهل الفضل والدين كان يخدمه أن يحفر قبره في موضع بينه، ويستوصي أهل القرى التي كانت قريبة إلى موضعه ذلك بحضور جنازته، وألا يباشره أحد حتى يصل ثلاثة نفر من الفلاة لا يعرفون ببلاد العراق: يغسله اثنان منهما، ويتقدم الثالث للصلاة عليه بغير أمر ولا مشورة. فلما توفي فعل الخادم كل ما أمره به، وحضر الناس، فلما اجتمعوا لحضور جنازته رأوا ثلاثة رجال خرجوا من الفلاة، فعمد اثنان منهم إلى غسله، واختفى الثالث ولم يظهر، فلما غسل وأدرج في أكفانه، وحملت جنازته، ووضعت على شفير قبره ظهر الثالث ملتفا في كسائه وفي جانبه علم أسود، معمما بعمامة من صوف، وصلى عليه وصلى الله بصلاته، ثم سلم وانصرف وتوارى عن الناس.