تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

وهذا السؤال من جانب الرسول لا يمكن أن يقع بمثل هذه الحدة إلا إن سبق بشواهد من حياة عكاف، ونرجح أنه كان لعكاف هذا آراء تشبه الدعوة إلى التبتل والرهبانية.

وقد بقي شيء من هذا المعنى في أنفس الصوفية، فإنهم حدثوا أن سبب تزويج أبي أحمد القلانسي أن شابا من أصحابه خطب ابنة لصديق لأبي أحمد فلما حضر وقت عقد النكاح امتنع الشاب، واستحيا من ذلك الرجل الذي كان يزوجه بابنته، فلما رأى ذلك أبو أحمد قال: يا سبحان الله! يزوج رجل بكريمته فتمتنع عليه! وعقد النكاح على أبي أحمد، فقبل أبو البنت رأسه وقال: ما علمت أن لي عند الله تعالى من المقدار أن يكون لها مثلك زوج.

4

وهذه الحكاية فيها معنى لطيف هو أدب القلانسي في إنقاذ الموقف - كما نعبر في هذه الأيام - ولكن النتيجة كانت غريبة فقد بقيت تلك الفتاة ثلاثين سنة عند أبي أحمد وهي بكر.

4

فمن أين جاء هذا التبتل؟ جاء من النصرانية أولا، ومن الصابئية ثانيا.

أما التبتل في النصرانية فمعروف، وأما الصابئون فإن العابد منهم ربما خصى نفسه

5

وفي الجزء الرابع من عيون الأخبار

6

أن ابن المبارك خصى نفسه وعاش مجبوبا، وتلك نزعة صابئية، ولكنا رأينا بعد البحث أن ما في عيون الأخبار خطأ، وأن الذي خصى نفسه هو أبو المبارك الصابي، وليس ابن المبارك الصوفي، وقد هدانا إلى تصحيح هذا الخطأ ما كتبه الجاحظ عن الصابئين في الجزء الأول من الحيوان.

7

وكلام الصوفية عن الزواج يشعر بأنه كان في أنفسهم من التكاليف الثقال، وعندهم أن الفقير إذا تزوج فمثله مثل رجل قد ركب السفينة فإذا ولد له فقد غرق،

8

ويؤيد هذا المعنى أنهم نصوا على آداب الزواج: «وليس من آدابهم أن يتزوجوا ذوات اليسار ويدخلوا في رفق نسائهم، ومن أدب الفقير أن يتزوج بفقيرة مقلة وأن ينصفها، وإن رغبت فيه امرأة غنية أن لا يرتفق منها».

9

وهذه آداب ترتكز على حفظ الكرامة، واستقلال النفس، والبعد من المغانم الدنيوية، وهم يتمثلون أنفسهم فقراء، ولا يتسامون إلى المرأة الغنية، وإنما يقبلونها إن رغبت فيهم، وكانت الفتيات تميل إليهم في بعض الأحيان.

ويظهر أنه كان معروفا عنهم التقصير في رعاية الأطفال، فإن السراج الطوسي يقول: «وليس من آداب من تزوج أو كان له ولد أن يكل أمر عياله إلى الله تعالى، ويجب عليه أن يقوم بفرضهم إلا أن يكونوا مثله في الحال».

10

والنص على هذا الأدب لا يقع بغير سبب، وإنما هو موجه إلى ناس كانوا يرون من التوكل أن يكلوا أمر عيالهم إلى الله.

وهذا من الصوفية ضعف رأى، إن وقع منهم، وهم صالحون لقبول مثل هذا الرأي الضعيف.

11

وجملة القول أن الصوفية ينظرون إلى الزواج كأنه غل من الأغلال التي تشل حركة الروح، وقليل منهم من يفطن إلى ما في الزواج والذرية من المعاني الروحية، فالرجل المتأهل الذي يعاني مشاق العيش تتفتح أمامه أبواب من الجهاد لا تخلو من شرف ونبل، وفي رعاية الأهل ميدان لخبرة الخلق والروح، وأخشى أن يكون الميل إلى العزوبة جبنا وهلعا من تكاليف الحياة، ولعله لا يكون إلا كذلك، ولا عبرة بدعوى الانقطاع إلى الله، فالسعي في بر الأهل والذرية هو أيضا انقطاع إلى الله.

وفي أعمال المرء كثير من الوجوه المادية، ولكنها عند النية تصبح وجوها روحية. وقصير النظر هو الذي يتوهم أن العبادة لا تكون إلا في العزلة والتسبيح.

على أن في السعي للأهل تعرضا لضروب من المعاملات تتبين فيها جواهر الأخلاق، وفي الاتصال بالنسا عن طريق المعاش أبواب من المحن الخلقية يعرف عندها فضل الرجل الكريم الخلال.

للصوفية أن يفروا من الزواج، ولكن عليهم أن يتذكروا أنهم يفرون من الجهاد، وأي جهاد أقسى من السعي للأهل والأطفال؟ إن التصوف كل التصوف أن تواجه مكاره العيش اعتمادا على رعاية الله، أما إيثار العزوبة حبا في السلامة، أو رغبة في الانقطاع إلى الله، فهو من أعمال الجبناء والغافلين.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٩٨