ولهم فيه تأوهات وحسرات كلوعة الذي يقول:
إخواني، ما أحسن من خلع عليه مولاه خلع القبول! وما أنعم بال من بلغه غاية المقصود والسول! وما أشقى من رد عليه صيامه، وأحصي عليه قبحه وآثامه، ومضت في البطالة شهوره وأعوامه، وآثر شهوة نفسه على خدمة ربه إلى أن ذهبت ساعاته وأيامه!!
وجملة القول أن الصوفية يرون الصيام فرصة من فرص القلب والروح، وترك الطعام والشراب هو أهون ما يفكر فيه الصائمون، والأصل عندهم أن يسلم القلب من الزيغ وأن تسلم الجوارح من آفات البغي والعدوان. وكذلك كانت أقوالهم في الصوم وآدابه مغمورة بمعاني الرفق والصفاء.
ولا يمكن القارئ أن يتصور مبلغ ما صنع الصوفية في تحبيب الصوم إلا إن زار المساجد في رمضان؛ فهناك يجد الترتيل والتسبيح والتهليل، وهي تقاليد طريفة يرجع الفضل في إقامتها وتثبيتها إلى الصوفية، وهم قوم لم يشغلهم الحرام والحلال وإنما انغمست أرواحهم في لطف الغناء فكانت أحاديثهم وأناشيدهم ترتيلات قدسية لا يدرك أسرارها غير أرباب القلوب.
إن رجال الشريعة يختلفون فيما ينعقد به الصوم من النية، أما الصوفية فيوجبون النية في كل لحظة، ويرون رمضان كله موسما سنويا تطهر فيه السرائر والنفوس.
ورجال الشريعة يختلفون فيما يفسد الصوم، ولهم في ذلك مزالق؛ لأنهم يقفون عند المحسوس من الطعام والشراب. أما الصوفية فيشغلون بحساب النفس، ويرون الصوم أصلا من الأصول في تطهير النفوس والقلوب، والصائم عندهم لا يشغل نفسه بحديث الظمأ والجوع، كما يفعل العوام من أشباه الصالحين، وإنما يشغل نفسه بالحقائق الجدية، ويتسامى إلى الاتصال برب العزة والجبروت.
ينظر العامي إلى الهلال فيراه فاتحة للمعجزات الحسية، وينظر الصوفي إلى الهلال فيراه فاتحة لطوائف من المعاني الروحية، وإذا كان الصائم من العامة يفرح عند الغروب؛ لأنه سيرجع إلى الحرية الطبيعية فإن الصوفي لا يفرح عند الغروب إلا حين يوقن أنه قضى يوما سعيدا لم يدنس فيه لسانه بغيبة أو نميمة، ولم يأثم قلبه بالتفكير فيما سوى الحضرة الربانية.
الصوم هو صوم الصوفية، والصوفية هم الناس، ومن عداهم أشباح بلا أرواح.
وما فضل الجوع في تهذيب النفوس؟ إن لحظة واحدة من كبح جماح النفس وصدها عن شهوات البغي والعقوق أفضل وأشرف من ألف يوم يقضيها العامي في الظمأ والجوع.
إن الصوم عن الطعام ليس بشيء في جانب الصوم عن الآثام. وهل يتشهى الناس الطعام بقدر ما يتشهون الوقوع في الأعراض!!
ما هو الكف عن أكلة يتشهاها البطن؟ إن العزيمة الصادقة لا تعرف إلا في إقامة العدل؛ لأن ابن آدم يتشهى الظلم أكثر مما يتشهى أطايب الطعام والشراب.
الصوم صوم النفوس لا صوم البطون، الصوم الأعظم هو الكف عن إيذاء الناس، ومن هنا صح لبعض الصوفية أن يقول:
إذا ما المرء صام عن الدنايا
فكل شهوره شهر الصيام
| آداب الزواج
الأغلب على الصوفية أن ينفروا من الزواج، وقد استشار رجل الشعبي في التزوج فقال: «إن صبرت عن الباه فاتق الله ولا تتزوج، فإن لم تصبر فاتق الله وتزوج».
1
وقيل لمالك بن دينار: لو تزوجت! فقال: إني طلقت الدنيا ثلاثا فلا رجعة لي فيها.
1
وقيل لبعض الصالحين: إلام تبقى عزبا ولا تتزوج؟ فقال: مشقة العزوبة أسهل من مشقة الكد في مصالح العيال.
2
وهذا الجواب الأخير فيه سياسة الصوفية، فهم ينفرون من الزواج هربا من تكاليف العيش، وقد حمل ذلك بعضهم على ابتكار المعاذير، ولكن السبب الأصيل هو الرغبة في راحة البال.
والظاهر أن الصوفية قبل الإسلام كانوا يميلون إلى العزوبة تأسيا بالنصرانية، ولهذا رأينا الرسول يحاربهم أشد الحرب، فقد قال لعكاف بن وداعة: يا عكاف، ألك امرأة؟ قال: لا. قال النبي: فأنت إذن من إخوان الشياطين، إن كنت من رهبان النصارى فالحق بهم، وإن كنت منا فمن سنتنا النكاح».