تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومفسدات الصوم عند الصوفية هي اقتراف المكاره، أما المفطر بالطعام والشراب فهو أخف من ذلك. وعندهم أن من كف عن الأكل والجماع وأفطر بالآثام مثله مثل من مسح على أعضائه في الوضوء ثلاث مرات، ومن فعل ذلك فصلاته مردودة عليه؛ لأنه ترك المهم وهو الغسل. أما الذي يصوم بجوارحه عن المكاره ويفطر بالأكل فمثله مثل من غسل أعضاءه مرة مرة فصلاته متقبلة لإحكامه الأصل وإن ترك الفضل.

ومعنى ذلك بصريح العبارة أن المهم في الصوم هو كف الجوارح عن الآثام، والإفطار بالطعام ليس بشيء عند الصوفية، وإنما هو شبيه بمن تفوته السنة في آداب الوضوء، أما الإفطار بالمآثم فهو أخطر ما يعرض له الصائمون وليس لآثم عندهم صيام وإن قتله الظمأ والجوع.

وعند تأمل هذه الأحكام نرى الصوفية يقفون عند المعاني وهم بذلك يخالفون رجال الشرع الذين يجعلون غاية الصوم أو شرائط الصوم موقوفة على الكف عن شهوات الحواس.

وليس معنى هذا أن الصوفية لا تهمهم ظواهر الصيام، لا، وإنما يرون وقوف الصيام عند الجوع والعطش غاية سوقية لا يتسامى إليها أرباب القلوب.

هم لا ينكرون أثر الظمأ والجوع في كسر الشهوات، ولكنهم يرون كف النفس عن الآثام غاية الغايات، وكل طاعة هي عندهم باب لإصلاح النفوس.

والصوفية هم الذين عطروا أيام الصوم بالأنفاس الروحية، وإليهم يرجع الفضل في نظم ما ساد على ألسنة الناس من الأناشيد، وقد سلكوا مسالك مختلفة من التنغيم والتطريب، وكثرت منظوماتهم في الفن الغنائي الذي يعرف باسم «كان وكان» وإليكم هذا الشاهد الطريف:

أيا من عمره طال

إلى كم أنت بطال

جميع الدهر نقال

على دهرك أثقال

تبارز بالمعاصي

وعنا أنت قاصي

وتدعو بالخلاص

وما عندك إقبال

إلى الغيبة ترتاح

وما عندك إصلاح

وما يرضيك يا صاح

سوى قد قيل أو قال

تمد الطرف في الصوم

ولا تخشى من اللوم

ليكتب منك في اليوم

وفي الليلة أفعال

فتب ذا الشهر كي يمضي

وكمل صومه فرضا

لعل الله أن يرضى

ويصلح منك أحوال

وإليكم هذا الشاهد:

إن كنت تطلب توبه

انهض فهذا وقتها

فبعد خمس ليال

يقال فرغ رمضان

يرحل وما أودعته

إلا زخاريف العمل

وا حسرتك حين يشهد

عليك بالخسران

تصوم نهارك ولما

تفطر تحصل فايتك

تشبع وتنسى الجائع

هذا هو الخذلان

تقطع صيامك غيبه

والصوم قبوله من عجب

تأكل لحوم العالم

وترتجي الإحسان

من ليس يحفظ لسانه

ولا الجوارح من زلل

ما له من الصوم إلا

يقضي النهار جوعان

بالله عليك قم ودع

شهر الصيام قبل السفر

ولا تخليه يرحل

وهو عليك غضبان

بيض سواد الصحيفة

فالموت أدنى من نفس

وخف إلهك تحظى

منه غدا بأمان

وفي رحاب الصوفية ظهرت القصيدة المشهورة التي يتغنى المنشدون في توديع رمضان:

شهر الصيام لقد كرمت نزيلا

ونويت من بعد المقام رحيلا

وأقمت فينا ناصحا ومؤدبا

وشفيت منا بالفؤاد غليلا

نبكيك يا شهر الصيام بأدمع

تجري فتحكي في الخدود سيولا

أسفأ على الأنس الذي عودتنا

وصنيع فعل لا يزال جميلا

شهر الأمانة والصيانة والتقى

والفوز فيه لمن أراد قبولا

تبكي المساجد حسرة وتأسفا

إذ عطلت من أنسه تعطيلا

فيه الجنان تفتحت لقدومه

وتزينت ولدانها تجميلا

وتفيأت أشجارها بظلالها

وقطوفها قد ذللت تذليلا

وهي قصيدة طويلة يجدها القارئ في كتاب الروض الفائق.

وللصوفية توسلات خاصة بشهر رمضان:

إلهي، وقف السائلون ببابك، ولاذ الفقراء بجنابك، ووقفت سفينة المساكين على ساحل كرمك، يرجون الجواز إلى ساحة رحمتك ونعمتك.

إلهي، إن كنت لا تكرم في هذا الشهر الشريف إلا من أخلص لك في صيامه، فمن للمذنب المقر إذا غرق في بحر ذنوبه وآثامه.

إلهي، إن كنت لا ترحم إلا الطائعين، فمن للعاصين؟ وإن كنت لا تقبل إلا العاملين، فمن للمقصرين؟

إلهي، ربح الصائمون، ونحن عبيدك المذنبون، فارحمنا برحمتك، وجد علينا بفضلك ومنتك، واغفر لنا أجمعين برحمتك ، يا أرحم الراحمين.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٩٦