25
فهذا كله دليل على شغفهم بالطعام، ومع هذا كان فيهم متكبرون، وهم عند بعضهم من أنقة النفوس، قال قائلهم: أنا لا أجيب دعوة. قيل: ولم؟ قال: انتظار المرقة ذل. وقال آخر: إذا وضعت يدي في قصعة غيري ذلت له رقبتي. وكان بعضهم يقول: لا تجب دعوة إلا من يرى لك أنك أكلت رزقت. وأنه سلم إليك وديعة كانت لك عنده، ويرى لك الفضل في قبولها منه.
25
نفرة بعضهم من إجابة الدعوات
هذا، ولا مفر من الاعتراف بأن ما وضع الصوفية في كتبهم من أدب الطعام أكثره مقبول، يشهد بحسن الفهم وسلامة الذوق، ويدل على بصر بأوضاع الحياة الاجتماعية. ولايمنع من صحته ما نراه من تغير آداب الأطعمة والموائد، فإنا لا نحكم لهم أو عليهم إلا بعد أن نتمثل ما كانوا عليه من الحياة الفطرية، ولكل زمن آداب.
| آداب الصيام
ينظر الصوفية إلى الصيام نظرة خلقية وروحية، وهم يقسمونه إلى ثلاث درجات:
صوم العموم.
وصوم الخصوص.
وصوم خصوص الخصوص.
أما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنية، والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية، كما عبر الغزالي في الجزء الأول من الإحياء.
وليس الطعام وحده، ولا الشراب وحده، ولا اللمس وحده، مما يفطر به الصائم عند الصوفية. فهناك أشياء يفطر بها الصائمون ويفسد بها الصيام وليست مع ذلك من اللمس أو الطعام أو الشراب، فالصائم يبطل صومه في نظر الصوفية بالفكر فيما سوى الله عز شانه واليوم الآخر، وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين لعد ذلك من زاد الآخرة.
ويرى بعض الصوفية أن من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة؛ لأن ذلك لا يقع إلا من قلة الوثوق بفضل الله وقلة اليقين بالرزق الموجود.
وصوم خصوص الخصوص لا يتم إلا بستة أمور:
الأول:
غض البصر وكفه عن النظر إلى كل ما يذم وكل ما يكره، وإلى ما يشغل القلب وينهى عن ذكر الله.
الثاني:
حفظ اللسان عن الفضول - وهم يعبرون عنه بالهذيان - وحفظه عن الكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله وتلاوة القرآن.
ومن الصوفية من يرى أن الغيبة تفسد الصوم، وهم يستندون إلى أحاديث مروية عن الرسول
صلى الله عليه وسلم .
الثالث:
كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه؛ لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه. ولذلك سوى الله سبحانه بين السمع وأكل السحت فقال:
سماعون للكذب أكالون للسحت
وقال:
لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت .
الرابع:
كف بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل، وكفها عن المكاره، وكف البطن عن الشبهات وقت الإفطار؛ لأنه لا معنى للصوم عن الحلال ثم الإفطار على الحرام.
الخامس:
أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ فما من وعاء أبغض إلى الله من بطن مليء من حلال، فالصوم يراد به قهر أهواء النفس أو كما يقولون قهر عدو الله الشيطان، وقهر أهواء النفس أو كما يقولون كسر الشهوة لا يتم لمن يتدارك عند فطره ما فاته في نهاره من ألوان الطعام والشراب.
ولم يفت الصوفية أن ينصوا على الخطر الذي يهدد من يسرف في الأكل بعد أن تخوى معدته، وهم يرون ذلك يضاعف قوة النفس ويساعد على انبعاث الشهوات.
ومن رأى الصوفية أنه لا يليق بالصائم أن يأكل عند الإفطار أكثر مما كان يأكل لو لم يصم؛ لأن الغرض من الصيام هو حرمان النفس من مألوفها قبل الصيام، والذي يملأ معدته عند الإفطار على نية التعويض تعويض المعدة ما فاتها بالصيام لم يرد لنفسه من الخير إلا قليلا.
السادس:
أن يكون قلبه بعد الإفطار مضطربا بين الخوف والرجاء؛ إذ ليس يدري أيقبل صومه فهو من المقربين؟ أم يرد عليه فهو من الممقوتين؟