تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

وهذه الرياضة اليومية، أو الساعية إن شئت، هي الشغل كل الشغل بالطعام!

رأيهم في دعوة الإخوان- أدب المائدة

وقد تحدثوا عن أدب المائدة، ودعوة الإخوان، وعن الإكثار والإقلال، فقالوا: مثلا، إن من إكرام الضيف تعجيل الطعام لهم، وأفضل ما قدم إليهم اللحم، وخير اللحم السمين النضيج، فإن كان بعد اللحم حلاوة فقد جمع لهم الطيبات.

18

وهذا التحديد له دلالة نفسية.

واستحبوا أن يأكل الرجل في منزل أخيه على نحو ما يأكل في منزله بغير تكلف ولا تزين؛ لأنه قد يدخل من الرياء والتزين في الطعام مثل ما يدخل في سائر الأعمال.

19

وتلك دقة في فهم أحوال النفس.

رأي ابن أدهم في الطعام والأثاث واللباس

وحدثوا أن سفيان الثوري دعا إبراهيم بن أدهم وأصحابه إلى طعام فقصروا في الأكل، فلما رفعوا الطعام قال له الثوري: إنك قصرت في الأكل، فقال إبراهيم: قصرت أحدهم في الطعام فقصرنا في الأكل.

19

ودعا إبراهيم الثوري أصحابه إلى طعام فأكثر منه فقال له: يا أبا إسحق، أما تخاف أن يكون هذا إسرافا؟ فقال إبراهيم: ليس في الطعام إسراف.

19

وهم يوصون بلعق الأصابع، وأكل ما سقط من فتات الطعامن لأنه فيما يقال من مهور الحور العين.

19

وقال أبو سليمان الداراني: أكل الطيبات يورث الرضا عن الله عز وجل.

وهذه الجملة كررها المكي فذكرها في فصلين متجاورين، ولهذا التكرار معنى.

ومن الأخبار التي اهتموا بروايتها أن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل من السماء كان فيها من كل البقول إلا الكراث، وكان فيها سمكة عند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وكان عليها سبعة أرغفة، على كل رغيف زيتونتان، وحب رمان، وهذا عندهم من أحسن الطعام إذا اتفق.

20

وحدثوا أن الحسن البصري قال: كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه فمن دونهم يحاسب عليها، إلا نفقة الرجل إذا دعا إخوانه إلى طعام، فإن الله سبحانه وتعالى يستحي أن يسأله عن ذلك.

21

وحضر الثوري - وكان صوفيا - على مائدة أحد أبناء الدنيا، وكان فيه بخل فقدم حملا

22

فجعلوا يأكلون، فلما رآهم يمزقون كل ممزق ضاق صدره فقال: يا غلام، ارفع إلى الصبيان. فرفع الحمل إلى داخل الدار، فقام الثوري يعدو خلف الحمل، فقال صاحب المنزل: إلى أين، يا أبا عبد الله؟ فقال: آكل مع الصبيان! فاستحيا الرجل وأمر برد الحمل حتى استوفوا منه.

23

وحدث أحدهم قال: كنا في جماعة عند رجل فجعل يقدم إلينا ألوان الرؤوس، منها طبيخا وقديدا، فجعلنا نقصر في الأكل نتوقع بعد الألوان حملا أو جديا. قال: فجاءنا بالطست ولم يقدم إلينا غيرها، فقال لي بعض الشيوخ من أهل التصوف وكان مزاحا: هو تعالى يقدر أن يخلق رؤوسا بلا أبدان! قال: فبتنا تلك الليلة جياعا، فطلب بعضنا في آخر الليل خبزا أو فتيتا لسحوره.

24

ودفع إبراهيم بن أدهم إلى بعض إخوانه دراهم فقال: خذ لنا بهذه زبدا وعسلا وخبزا حورانيا، فقال: يا أبا إسحق، بهذا كله؟! فقال ابن أدهم: ويحك! إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال. وأصلح ذات يوم طعاما فأكثر، ودعا نفرا يسيرا منهم الثوري والأوزاعي، فقيل له: أما تخاف أن يكون هذا إسرافا؟ فقال: ليس في الطعام إسراف، إنما الإسراف في الأثاث واللباس.

25

وحدثوا عن سهل أنه سئل كيف كان في بدايته فأخبر بضروب من الرياضات منها أنه كان يقتات ورق النبت مدة، ومنها أنه أكل دقاق التبن ثلاث سنين، ثم ذكر أنه اقتات ثلاثة دراهم ثلاث سنين، قيل: وما هو؟ قال: كنت أشتري في كل سنة بدانقين تمرا، وأربعة دوانق كسبا، ثم أعجنها عجنة، ثم أجزئها ثلث مئة وستين كبة أفطر في كل ليلة على كبة، فقيل له: فكيف أنت في وقتك هذا؟ قال: آكل بلا حد ولا توقيت.

25

وكان معروف الكرخي يهدي إليه طيبات الطعام فيأكل فيقال له: إن أخاك بشرا لا يأكل من هذا. فيقول: أخي بشر قبضه الورع، وأنا بسطتني المعرفة، ثم قال: إنما أنا ضيف في دار مولاي، إذا أطعمني أكلت، وإذا جوعني صبرت، مالي والاعتراض والتخير!

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٩٤