والذين يتخلقون بأخلاق الصوفية في الطعام يستطيعون بسهولة أن يستهينوا بما تعرض الحياة من صنوف الشهوات. وقد كنت وأنا طالب في الأزهر أكتفي بالخبز الجاف مصحوبا بأدام تافه هو الفول المدمس في الصباح، والفول النابت في المساء، وكنت يومئذ في ميعة الشباب، ومع ذلك لا أذكر أني تعرضت لشهوة جامحة أو هوى غلاب.
هذا جانب من الفضل في تلك السياسة الصوفية.
13
أثر الجوع في قتل الحيوية
أما الجانب الآخر فهو الخطر الذي يهدد من يكتفون بالطعام الخشن القليل.
إن الجوع يقتل الحيوية، ويروض الجائع على صغر النفس، وموت العزيمة، وانحلال الشخصية. ولا يمكن لرجل يكتفي بأكلة واحدة في الأسبوع أن يكون من رجال الأعمال. وما الذي يحمل المرء على التفكير في عظائم الأمور وهو يعيش في العام بدراهم معدودات؟
فضل الطعام في إعداد الرجال لجلائل الأعمال
إن الطعام يقوى شهوة النهم، كما يقول البوصيري، والنهم يتطلب وقودا من طيبات الأرزاق، والرزق الطيب لا ينتهب ولا يختلس، ولكنه يأتي بفضل العزيمة المتوثبة والساعد المتين.
فلا حرج علينا بعد هذا البيان، من التصريح بأن الصوفية فتنوا العالم الإسلامي، وأضروا به حين حببوا إليه الظمأ والجوع.
ونظرة في مدينة كالقاهرة ترينا شاهد ذلك: فطبقات العوام يحمدون الله على الخبز والملح والماء، ومن أجل هذا يسيرون في الحياة بخطوات بطيئة متثاقلة، ويكتفون بالمساكن القذرة، والمآكل الخسيسة، والملابس الرخيصة، على حين يقتحم الأجانب حصون المنافع الاقتصادية ، ويأكلون الطيبات، ويقيمون في أحياء جميلة هم منشئوها، ويعرفون أدب الزينة وأدب الاستقبال.
ولو سألت الرجل الذاوي الجسم بفضل الجوع أن يتأهب للحرب لتردد وجزع، وكيف يرحب بالحرب وليس له فيها مغنم مرموق؟ أما الرجل الذي عرف أطايب العيش ففيه من قوة المراس، وحب النضال، والشوق إلى العراك، ما يدفعه إلى المخاطرة بنفسه في سبيل ما تنتج الحرب من مغانم وأسلاب.
والموت نفسه قد يتمثل للرجل السليم متعة رياضية، أما الجسم العليل فق شبع من الموت!!
السر في إسراف الصوفية حين يتحدثون عن الطعام
ولكن ما رأى القارئ في أن الحرمان الذي كاد يلتزمه الصوفية عاد بشيء من النفع على قواعد الأخلاق؟
الشبه بينهم وبين شعراء البادية
لقد حرم الصوفية أنفسهم من الطعام، فكان ذلك الحرمان سببا لإكثارهم من التحدث عن الطعام، وأدب الطعام، ومثلهم في ذلك مثل شعراء البادية، فإن قصائد المديح في الجاهلية وصدر الإسلام يكثر فيها الكلام عن اللحوم والألبان، ويكثر فيها مدح الكرماء بكثرة الرماد وهزال الفصلان، ويرجع ذلك إلى أن الشعراء كان أكثرهم من أهل الفقر والجوع فكان نحر الجزور يتمثل لهم شيئا هائلا جدا، وكان الشعر ترقص عرائسه في أحلامهم كلما تصوروا المصعب وقد جدله السيف، وكان خير الرجال عندهم من صح فيه قول النابغة الذبياني:
له بفناء البيت سوداء فخمة
تلقم أوصال الجزور العراعر
14
وخير الناس من صح فيهم قول مسكين الدرامي:
كأن قدور قومي كل يوم
قباب الترك ملبسة الجلال
15
كأن الموقدين بها جمال
طلاها الزفت والقطران طالي
بأيديهم مغارف من حديد
أشبهها مقيرة الدوالي
16
فحرمان الصوفية من الطعام شغلهم به، وحملهم على وصف أصنافه، والتهيؤ للصبر عنه، وبسط القول فيما ينبغي له من آداب.
17
شغلهم بترتيب أوقات التبلغ
ومصداق ذلك أنا نراهم يتحدثون عن رياضة النفس على الجوع باهتمام شديد، هو آية الحرص على الطعام لو يعلمون، كأن يقول صاحب قوت القلوب:
ومن كان ذا معلوم فالمستحب له أن لا يزيد على رغيفين في يوم وليلة، وليجعل بينهما وقتا طويلا مرة ، وقصيرا أخرى، على حسب الحاجة وتوقان النفس إلى الغداء، لا على طرد العادة والشهوة. والرغيف ستة وثلاثون لقمة، يكون قوام النفس في كل ساعة ثلاث لقمات، فإذا أراد أن يأكل الرغيف على هذا التقسيم فليجرع بعد كل ثلاث لقم جرعة ماء، فذلك اثنا عشر جرعة في تضاعيف ستة وثلاثين لقمة، ففي ذلك قوام الجسم وصلاحه في كل يوم وليلة على هذا الترتيب.