3
وهو بهذا لا يتمثل طيبات الطعام إلا مقرونة بما ستصير إليه!
ويمكن الجزم بأن سياسة الصوفية فيما يختص بالطعام كانت قائمة على أساس الحرمان
4
وكان فيهم من يصوم الدهر «ولا يفطر غير أيام العيدين وأيام التشريق
5 »، وسمع شعيب بن حرب يقول: «أكلت في عشرة أيام أكلة، وشربت شربة»،
6
وتحدث التستري عن نفسه فقال: «رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصارا على أن يشتري لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي فأفطر عند السحر كل ليلة على أوقية واحدة بحتا بغير ملح ولا إدام، فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة. ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال، ثم أفطر ليلة، ثم خمسا ثم سبعا، ثم خمسأ وعشرين ليلة، وكنت عليه عشرين سنة».
7
ومن الصوفية من حدث عن نفسه أنه تقوت في بضعة عشر يوما - أو سبعة عشر يوما - خمس حبات، أو قال: ثلاث حبات، فقيل له: وكيف عملت؟ فقال: لم يكن عندي غيرها، فاشتريت بها لفتا، وكنت آكل كل يوم واحدة. ولا عبرة بأن يقال: إن هذا الرجل اكتفى بهذا القدر للضرورة فقد أثر عنه أنه كان لا يسأل أحدا شيئا.
8
قبول فريق منهم لأطعمة السلاطين
ومع إيثار الصوفية للإقلال من الطعام، والرضا من العيش بالدون ، كان فيهم من يأكل طعام السلاطين ويقبل جوائزهم، وقد بلغ ابن عبد البر، وهو بشاطبة، أن قوما عابوه بأكل طعام السلطان وقبول جوائزه، فقال:
قل لمن ينكر أكلي
لطعام الأمراء
أنت من جهلك هذا
في محل السفهاء
لأن الاقتداء بالصالحين من الصحابة والتابعين، وأئمة الفتوى من المسلمين من السلف الماضين هو ملاك الدين
9
فقد كان زيد بن ثابت وهو من الراسخين في العلم يقبل جوائز معاوية وابنه يزيد، وكان ابن عمر مع ورعه وفضله يقبل هدايا صهره المختار بن أبي عبيد، ويأكل طعامه، ويقبل جوائزه. وقال عبد الله ابن مسعود - وكان قد ملئ علما - لرجل سأله فقال: إن لي جارا يعمل بالربا ولا يجتنب في مكسبه الحرام يدعوني إلى طعامه فأجيبه؟ قال: نعم، لك المهنأ، وعليه المأثم، ما لم تعلم الشيء بعينه حراما. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه حين سئل عن جوائز السلاطين: لحم ظبي ذكي. وكان الشعبي - وهو من كبار التابعين وعلمائهم - يؤدب بني عبد الملك بن مروان ويقبل جوائزه ويأكل طعامه. وكان إبراهيم النخعي وسائر علماء الكوفة والحسن البصري مع زهده وورعه وسائر علماء البصرة وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان والفقهاء السبعة بالمدينة - حاشا سعيد بن المسيب - يقبلون جوائز السلطان.
وكان مالك وأبو يوسف والشافعي وغيرهم من فقهاء الحجاز والعراق يقبلون جوائز السلاطين والأمراء، وكان سفيان الثوري مع ورعه وفضله يقول: جوائز السلطان أحب إلي من صلة الأخوان؛ لأن الإخوان يمنون والسلطان لا يمن، ومثل هذا عن العلماء والفضلاء كثير قد جمع الناس فيه أبوابا.
10
ويظهر من هذا أن الصوفية كانوا فريقين: فريقا يبالغ في الإقلال من الطعام ويروض نفسه على الجوع، وفريقا يتسامع بعض التسامح فيوسع على نفسه بأكل ما يصل إليه من أطعمة السلاطين والأمراء.
ولكن الحال الغالب عليهم هو الحرمان، وكان فيهم من يحرص على خبز الشعير
11
ويتجنب ترف الاستحمام،
12
وإيثار الشعير له معناه، فهو في خشونته من حيث المطعم يناسب الصوف في خشونته من حيث الملبس، وإذا التقت خشونة الطعام وخشونة اللباس مع هجر الحمام نشأت عن ذلك صورة شعثاء لا يتمثلها الرجل المترف إلا بعنف شديد.
ولا جدال في أن لذلك تأثيرا على الأخلاق؛ لأن المرء يتأثر في أخلاقه بما يأكل وما يلبس، فما قيمة ذلك من الوجهة الأخلاقية؟
فضل الجوع في كبح الشهوات
نستطيع أن نجزم بأن سياستهم في الطعام لها أثر بالغ في حرب الشهوات، فالرجل لا تصبو نفسه، ولا يطمح بصره إلى الحسن الممنوع، إلا حين ينشط الجسم وتهيج الحواس، وهيهات أن تستيقظ جوارح رجل يكتفي بخبز الشعير، ثم لا يأكل منه إلا القليل.