إن أكثر من ترى من أصحاب الحول والطول كان مثلهم مثل المرأة التي لا تفرط في عرضها بسبب القوت، وإنما تفرط في عرضها لتقضي لبانتها من الترف، وبعض النساء لا يؤذيها أن تجوع، ولكن يؤذيها أن تخرج وهي عاطل من الأساور والدمالج والخلاخيل.
وهل تظن أن الذي يبيع ضميره يبيعه ليقتات؟ وكيف يكون الأمر كذلك وأكبر البطون يملأه رغيف جاف، ويرويه كوب من الماء القراح؟ إنما يبيع الناس ضمائرهم ليتحلوا بالحلي الكواذب من صور الأمر والنهي والطغيان.
انظر هذه النظرة إلى حقائق الجاه والمال، ثم ارجع إلى الصوفية تجدهم أعقل الناس وأشرف الناس.
أتراك نظرت وفكرت؟ إن كنت فعلت فاعلم أن الصوفية حين دعوا إلى الفقر والورع والزهد لم يكونوا عابثين، وإنما كانوا يدافعون عن الكرامة الإنسانية التي لا تضيع ولا تمتهن إلا في أسواق المنافع، وحفظ الكرامة هو الحجر الأول في صرح الأخلاق.
انظر هذه النظرة لترى ما في مسالك الصوفية من المعاني الشعرية، وهل من القليل أن تخلص من ربقة الأغراض فلا يكون لأحد سلطان عليك؟ هل من القليل أن تشعر بأن مائدتك الجافية هي من كسب يدك، وأن ثوبك الحقير لم ينسج خيوطه أحد سواك؟ هل من القليل أن تعرف زوجتك وأن يعرف أبناؤك أن ليس لهم سيد بعد الله غيرك؟ هل من القليل أن يكون كل ما في بيتك من أثاث ورياش إنما وصل إليك بفضل كدحك، وإن كان غطاؤك من الخيش، وسريرك من الجريد؟
إن الصوفية لا يحرمون عليك أن تثري من الحلال، فقد كان الصوفية بالفعل من أهل الكسب، ولكن أي كسب؟ انظر إلى أسمائهم وألقابهم تجد فيهم الخواص والخراز والوقاد والصباغ والحداد والسماك والقصاب والدقاق.
انظر إلى ألقابهم تجدهم كانوا من أهل العمارة والصناعة والزراعة، انظر إلى ألقابهم تجدهم كانوا من أقطاب السعي في سبيل الرزق الحلال.
كن كيف شئت في فهم الدنيا والمعاش، ولكن تذكر أن المتصوف رجل دقيق الإحساس، وأنه لا يهون عليه في سبيل الدنيا ما يهون عليك، ومن أجل هذا تراه في أدبه صادقا كل الصدق، وتكاد تلمس في كل سطر بل كل حرف أنه يخفي بلية موجعة رماه بها التصون والعفاف.
وما نريد نسلك جميع المتصوفين في سلك واحد، هيهات، فنحن نحتقر التبلد الذي يوسم بالتعفف. ولكنا لا نملك الغض من الأدب الحق، أدب النفوس التي ترحب بالفقر حين لا ينال الغنى إلا بالذل، ولا يدرك إلا بالضيم.
وفي ظلال هذه المعاني نقرأ أدب الصوفية في ذم الغنى ومدح الفقر، فنراه صورا طريفة من أحوال النفوس والقلوب، ونرى أنفسنا أمام صروح عالية من مكارم الأخلاق.
إن الصوفية الصادقين لا يؤثرون الفقر إلا فرارا من المال المشوب بالشبهات. والخوف على النفس والقلب والضمير من أدناس الحرام هو خوف نبيل لا يستشعره غير صحاح القلوب.
وما أسعد من ينفرون من الحرام، ولا يأنسون بغير الحلال!
| آداب الطعام
متابعة الصوفية للرسول في خشونة الطعام
الصوفية يتابعون الرسول في خشونة الطعام، والرضا منه بالقليل، وكان
صلى الله عليه وسلم
يأكل خبز الشعير غير منخول، وما ذم طعاما قط، لكنه إن أعجبه أكله، وإن كرهه تركه، وإن عافه لم يبغضه إلى غيره، وكان يلعق بأصابعه الصحفة، وكان يلعق أصابعه من الطعام حتى تحمر. وكان لا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه واحدة واحدة، وكان لا يسأل أهله طعاما ولا يتشهاه عليهم، ما أطعموه أكل، وما أعطوه قبل، وما سقوه شرب، وكان ربما قام فأخذ بنفسه ما يأكل أو يشرب.
1
نفرتهم من البطنة وإيثارهم للحرمان
وكان يقول: «إياكم والبطنة فإنها مفسدة للبدن، مورثة للسقم، مكسلة عن العبادة»، ويقول: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس».
2
وقد أثرت عن الصوفية أقوال في النهي عن كثرة الطعام، قال مالك بن دينار: «وددت أن رزقي حصاة أمصها فقد ضجرت من كثرة تردادي إلى الخلاء» وباع جارية فزارته يوما فقال: كيف ترين مواليك؟ فقالت: ما أكثر خير بيوتهم! فقال: أخبرتني عن عمران حشوشهم».