تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو أن الصوفية درسوا الطبيعة الإنسانية حق الدرس لتغير موقفهم في فهم الفقر، لو أنهم عرفوا أن الفقير لا يصلح لقيادة النهضات الاجتماعية والسياسية والخلقية لأيقنوا أن الغنى سلاح ماض في أيدي المصلحين، ولكن الواقع أن الصوفية كانت هممهم في الأغلب همما ترابية، أليسوا هم الذين وضعوا القواعد للسؤال؟ وهل يسأل الناس إلا الصغار والضعفاء؟ وأي قيمة للخلق إذا انتهى بصاحبه إلى الضعف والصغار، ونأى به عن مواطن الرجال؟

إن الجنة وما فيها من خير ونعيم لا تساوي ذلة السؤال، والله لم يخلقنا لنسأل الناس، وهو لم يمنحنا العقل والعافية إلا لنستعبد خيرات الأرض ونستغني عن المخلوقين. ولولا الأدب لقلت إن الله دعانا إلى الاستغناء عنه منذ فطر الأرض والبحر والهواء على خدمة أبدية لا يحرم منها إلا أهل الخمود.

إن الله دعانا إلى الكرامة ومهد لنا سبلها وأعاننا عليها، ولم يشأ أن يذل الكفار بحرمانهم من استخراج ثمرات الأرض؛ لأنه سبحانه لا يحب لأبنائه أن يعيشوا عيش العبيد، والمؤمن والكافر أمام عدله ورحمته سواء.

الدعوة إلى الفقر تنافي الخلق، وتنافي الأدب، وتنافي الإيمان.

الدعوة إلى الفقر هي السوس الذي قضى على عظام المسلمين، وجعلهم من أذل الشعوب بعد أن كانوا من أقوى الأعزاء.

الدعوة إلى القناعة رذيلة إنسانية لا يجترمها إلا رجل غافل أو مخبول.

وكيف نقنع وقد هدانا الله إلى أسرار الوجود فعرفنا أن الخير لا نهاية له، وأن النعيم أعظم وأكبر من أن تقام له حدود.

لو عاش أهل الأرض بعقول الصوفية وأوهامهم وأغلاطهم لما استطاع الإنسان أن يسخر البرق والماء، لو عاش أهل الأرض بأذهان الصوفية لما كانت هذه النعم التي يمرح فيها أهل الشرق والغرب، لو عاش أهل الأرض بأذهان الصوفية لما كانت هذه الوثبات التي يموج بها العالم السياسي فيقيم قناطر من الخير على بحار من الدماء. الصوفية قوم كسالى وادعون، ذهب بهم الجوع إلى أودية الموت.

بعض ما يجلب المال من هوان النفوس

قد يقول القارئ: وما شأنك أنت؟ أنت تؤرخ التصوف، فكيف تستطيل على الصوفية؟

وأجيب بأني أيضا متصوف، ولكن أي تصوف؟ إنه تصوف استقيته من مورد الحياة، هو تصوف حق يقوم على أساس الحق، فإن كان التصوف القديم هو الزهد فالتصوف الجديد هو الإخلاص المطلق في حب الحياة والفوز والمجد، التصوف الذي أدعو إليه هو الشره الشريف على فهم ما في الدنيا من خير وشر، وجمال وقبح، وحق وزيغ، هو أن تكون قوة كاشفة قاهرة تستوعب أسرار الوجود، ثم تسخره لخدمة الإنسان والحيوان، هو أن تجعل الدنيا فردوسا يذكر بما وعدت به من نعيم الفراديس، هو أن تكون غنيا بعقلك وجهدك وخلقك فلا يكون لمخلوق فضل عليك، هو أن تكون شبيها بربك في كرمه وغناه.

أنا لا أريد أن يتصوف الرجل تصوف العبيد، وإنما أريد أن يتصوف تصوف الملوك.

ولكن هناك وجه آخر نفهم به جمال الدعوة إلى الفقر. وتفصيل ذلك: أن الغنى لا ينتظرنا في كل وقت، ولا نقتنصه حين نشاء، فقد يحتاج الغنى أحيانا إلى مسالك ينفر منها الكريم، وفي هذه الحال يكون الفقر أجمل وأشرف.

في أحيان كثيرة يكون من النبل أن نحرر رقابنا من رق الطمع، وأن نتغنى بقول الذي يقول:

حرام على من وحد الله ربه

وأفرده أن يجتدي أحدا رفدا

ويا صاحبي قف بي مع الحل وقفة

أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا

وقل لملوك الأرض تجهد جهدها

فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى

وأنت لو نظرت حولك لرأيت طوائف من الأغنياء لم يصلوا إلى غناهم إلا بوسائل يفزع من تصورها كرام الرجال ؛ فهذا الذي يسكن قصرا فخما ويعيش الأمراء لم يصل إلى الغنى إلا منذ اليوم الذي باع فيه نفسه وقلبه وضميره لأحد الوزراء أو لأحد الأحزاب، وذاك الذي يأمر ونهى ويطغى ويستطيل هو في حقيقة أمره أذل من القراد بمناسم الجمال الجرب؛ لأنه لا يصبح ولا يمسي إلا وهو تابع ذليل، وذلك الذي لا يمده لمصافحتك إلا وهو متكلف، ولا يواسيك إن حزنت، ولا يعودك إن مرضت، ولا تراه إلا أشم الأنف منتفخ الأوداج، ذلك المتكبر المتجبر الذي يحاول أن يخرق الأرض ويطاول الجبال، هو في قرارة نفسه مستعبد لجبهة قوية يرى سوطها مسلطا عليه في كل حين، وهو على كبريائه ترتعد فرائصه كلما تمثل له شبح من يملك أمره في يقظة أو في منام.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٩٠