تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن أول صوفي تعمق في البحث عن عيوب النفس وآفات الأعمال وأغوار العبادات هو الحارث المحاسبي

13

وهذا الرجل - الذي كان قدوة لجميع الصوفية - كان من أعداء المال، ولم تكن عداوته للمال عداوة هينة؛ لأنه ضرب على الوتر الحساس حين ذكر المسلمين بفقر الرسول، وهو يتخذ من فقر النبي حجة على شر الغنى وإضراره بخير الدنيا والدين.

وكان الحارث المحاسبي رجلا قوي المنطق زلق اللسان، وكان من أهل البصر بمكامن الضعف في النفوس، وقد مكنت له مواهبه الأدبية والذوقية من نواصي الناس، فاندفع يذم المال ذما بليغا لم يصل إلى سمع ولا قلب إلا حول صاحبه إلى زاهد أواب.

رأي المحاسبي أن جماعة من العلماء احتجوا للغني بما كان من أمر عبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن هذا كان من صحابة الرسول، وكانت أمواله ومتاجره مضرب الأمثال، وقد شهد له النبي بالخير ورجا له حسن المآب وكان غنى ابن عوف خليقا بأن يحبب المسلمين في الغنى، ويبين لهم أن كثرة المال لا تنافي الدين، فاندفع المحاسبي يبدد هذه الشهبة ويبين أن ابن عوف لن يدخل الجنة بالرفق الذي يدخل به الصعاليك، وإنما يدخل في هيبة وحذر كما يدخل المريب.

ونظرية المحاسبي تقوم على أساس خطر، فهو يرى الدنيا غير الدنيا والناس غير الناس، فإن تشبهتم بالصحابة فأنتم مخطئون «فقد كانوا فيما أحل لهم أزهد منكم فيما حرم عليكم، والذي لا بأس به عندكم كان من الموبقات عندهم»،

14

وليس لكم أن تطمعوا في الحلال؛ لأنكم لن تجدوه في دهركم كما وجدوه في دهرهم، ولن تحتاطوا في طلب الحلال كما احتاطوا، ولنفرض أنكم ظفرتم بالحلال فهل تأمنون تغير القلوب؟ إن كان ذلك فأنتم تحسنون الظن بالنفس وهي أمارة بالسوء

15

وهل غاب عنكم أن الرسول قال: يدخل صعاليك المهاجرين الجنة قبل أغنيائهم بخمس مئة عام؟

16

وهل نسيتم أنه قال: سادات المؤمنين في الجنة من إذا تغدى لم يجد عشاء، وإذا استقرض لم يجد قرضا. وليس له فضل كسوة إلا ما يواريه، ولم يقدر على أن يكتسب ما يغنيه.

17

وكان المحاسبي رجلا مسيحي النزعة يرى العلماء كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب وتبقى فيه النخالة، ويرى الحكمة تخرج من أفواههم ويبقى الغل في صدورهم، ويراهم أفسدوا آخرتهم بصلاح دنياهم، وقد روى كلمة المسيح في هذا المعنى، وهي كلمة لا نحب أن نرويها في كتابنا هذا، ويكفي أن نشير إلى مكانها في كتاب الأحياء.

18

خطر هذه الدعوة

والحق أن الصوفية اختلط عليهم الأمر حين أحبوا التشبه بالأنبياء، فالمسيح تصوف لأنه رأى حب الدنيا يعصف باليهود، والنبي محمد لم يفكر في إصلاح دنياه لأنه شغل بتبليغ الرسالة؛ فكان مثله مثل الداعية الذي يريد أن يقطع جميع الألسنة ويسلم من تلوم السفهاء.

ومن المعقول أن يلوذ الأنبياء والمصلحون بالفقر ليفرغوا لدعوة الخير، ولكن كيف يصبح الفقر شريعة؟ وكيف يصير من واجب الناس جميعا أن يعيشوا فقراء؟

إن جانب الضعف في الأخلاق الصوفية أنها تجعل الفقر مما يجب أن يرغب فيه جميع الناس، ولو عقل الصوفية لعرفوا أن للفقر خلقة بشعة لا يطمع في التعرف إليها رجل كريم. الفقر هو البلية العظمى، والنكبة الكبرى، والبلاء الماحق، والشر الملعون. الفقر هو العورة التي يفتضح بها الرجال، الفقر هو المقتل الذي يصرع به الأبطال، الفقر هو أقبح الصفات التي تنزه عنها الله ذو الجلال، الفقر فضيلة سخيفة لا يدعو إليها إلا رجل سخيف!

هجوم على الصوفية

للصوفية عذر واحد، وهو عذر جميل، هم يرون حب المال يذهب بالناس إلى البغي في أكثر الأحيان، ولكني مع هذا أجزم بأن بغى الغني أجمل صورة من عدالة الفقير، وهل للفقير عدالة؟ إنه شخص مضيع وهو في المجتمع لا يحسب له حساب، والخلق الحق هو الذي يرفع الشخصية الإنسانية ويقيم لها الموازين.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٨٩